مُنعطفُ التَّحَوُّلِ أمَامَ كافَّةِ الأُمَمِ ( 16 )

مارس 7, 2016

وفوق هذا كله فإنّنا ندعم الإجراءات الخاصّة الثلاثة التّالية:

1-    زيادة مشاركة النِّساء في وفود الدُّول الأعضاء

نوصي بأن تشجَّع الدُّول الأعضاء على تعيين المزيد من النِّساء في مركز سفير أو ما شابهه من المراكز الدّبلوماسيّة.

2-    تشجيع المصادقة العالميَّة على المواثيق الدَّوليّة التي تصون حقوق المرأة وتُحسِّن من وضعها

وكما هو الحال في المواثيق الدّوليّة المتعلّقة بحقوق الإنسان، فإنَّ على الأمين العام للأمم المتّحدة وكافّة هيئاتها واجب الاستفادة من كلِّ فرصةٍ لتشجيع الدُّول الأعضاء على المُصادقة على المواثيق والاتّفاقات التي تصون حقوق المرأة وتسعى إلى تقدُّمها.

3-    وضع خطّة عمل لتنفيذ برامج مؤتمر بكين

كان إعلان “سياسات النّظرة المستقبليّة” الذي أقرّه مؤتمر نيروبي في غاية الجرأة والطُّموح في التَّخيُّل، إلا أنه أصيب بنكسةٍ في التّنفيذ والفاعليّة.[i]  نعتقد بأنّ علينا أن نتَّعظَ من هذه التَّجربة المريرة، فنعمل على وضع خطَّة مُتماسكة، بحيث لا تلقى خطّة العمل الموضوعة لتنفيذ برامـج مؤتمر بكين نفسَ المصير.

نقترح تأسيس نظامٍ للمُراقبة والمُتابعة يقوم بإعداد التّقارير اللاّزمة حول الإجراءات المطبَّقة ثم عرض النَّتائج على الجمعيّة العامّة سنويّاً؛ مبيّناً فيه أعلى عشرين دولةً عضواً وأدنى عشرين دولةً في التّجاوب والالتزام.

د-     التّركيزُ على التَّطوُّر الأخلاقيّ

مع أنّ دمج أفراد المجتمع الإنسانيّ في مجموعاتٍ، تكبر وتزداد عدداً، يتأثَّر عادةً بثقافات الشُّعوب والمواقع الجغرافيّة، إلا أنّ هذه العمليَّة قد سيّرتها الاتّجاهات الدّينيّة، وكانت العامل الأقوى في تغيير التّفكير والسّلوك الإنسانيّ.  ونعني بالدِّين هنا جوهره وحقيقته الأساسيّة لا الأفكار والتّقاليـد التي غلّفته بالتّدريج، وهوت به إلى عالمِ المحو والنِّسيان.

وفي كلماته يتفضّل حضرة عبد البهاء بقوله: “مَثَل المدنيّة المادّيّة كمِثْل جسد الإنسان؛ مع أنّه على درجةٍ عاليةٍ من الأناقة والجمال إلا أنّه يعدُّ ميّتا.  أمّا المدنيّة الرّوحانيّة، فهي كالرّوح التي تمدُّ الجسد بالحياة…  وبدونها يبقى جسدُ العالم لا حياة فيه”.[ii]

إنّ مبدأً يعزز قواعد أخلاقيّة وقيماً محدّدة يمكن أن يكون مثيراً للجدل، خاصَّة في هذا العصر المتّصف بالنِّسبيّة الإنسانيّة.  ومع هذا، فإنَّ لدينا إيماناً قاطعاً بوجود قيمٍ مشتركةٍ تجاهلها، لأسباب سياسيّة، أولئك الذين بالغوا في التّوجّه إلى الاختلافات الفرعيّة في الدّين أو في الممارسات الثّقافيّة.[iii]  هذه القيم والفضائل الأساسيّة التي دعت إليها كافّة الجماعات الرّوحيّة تشكّل هيكلاً أساسيّاً للتطوّر الأخلاقيّ.

إنّ التّأمّل في القيم المشتركة التي أفاضت بها الأديان العظيمة والأنظمة الأخلاقيّة على البشريّة يكشف لنا أنّ كلّ واحد منها يدعو إلى الوحدة والتّعاون والتّآخي بين البشر، ويحدِّد معالم السُّلوك القويم المسؤول، ويعزِّز تطوير الفضائل باعتبارها الأساس المتين لعلاقاتٍ قائمةٍ على الثِّقة ومراعـاة المبادئ.[iv]

   القاعدة الذّهبيّة في المبدأ الإلهي: “أن نعامل الآخرين بمثل ما نحبّ أن نُعامَل” قد جاءت مبدأً أخلاقياً في كافّة الأديان العظيمة بأشكال مختلفة:

البوذيّة: “لا تؤذِ الآخرين بما تجده مؤذٍ لنفسك.”

الزّردشتية: “تلك الطّبيعة [طبيعة الإنسان] تكون جيّدة عندما لا تعمل للآخرين ما يمكن أن يكون سيّئاً لنفسها.”,

        الطّاويّة: “”الرّجل الجيّد يجب أن يشفق ويتألّم على النّزعات الخبيثة للآخرين؛ أن يعتبر مكاسبهم مكاسبه، وخسائرهم خسائره.”.

        الكنفوشيّة: “بالتّأكيد هي القاعدة الأساس للطّاقة المحبّبة.  لا ترتكب بحقّ الآخرين ما لا تحبّ أن يرتكبوه بحقّك.” الهندوسيّة: “هذه هي خلاصة الاستقامة الحقيقيّة: عامل الآخرين كما تحبّ أن يعاملوك، ولا تفعل بجارك ما لا تحبّ أن يفعله بك.”

         اليهوديّة: “ما تكرهه نفسك، لا تعمله لغيرك. هذا هو القانون الكلّي وما سواه هو شرح وتفسير.”,

         المسيحيّة: “وكما تريدون أن يفعل النّاس بكم افعلوا أنتم أيضاً بهم هكذا.”

        الإسلام: “لا يؤمن أحدكم حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّه لنفسه.” حديث شريف.

        البهائيّة: “لا تحبّ لغيرك ما لا تحبّه لنفسك، ولا تعد بما لا تقدر عليه.”

القاعدة الذّهبيّة في المبدأ الإلهي:

مارس 3, 2016

“أن نعامل الآخرين بمثل ما نحبّ أن نُعامَل” قد جاءت مبدأً أخلاقياً في كافّة الأديان العظيمة بأشكال مختلفة:

البوذيّة: “لا تؤذِ الآخرين بما تجده مؤذٍ لنفسك.”

الزّردشتية: “تلك الطّبيعة [طبيعة الإنسان] تكون جيّدة عندما لا تعمل للآخرين ما يمكن أن يكون سيّئاً لنفسها.”,

        الطّاويّة: “”الرّجل الجيّد يجب أن يشفق ويتألّم على النّزعات الخبيثة للآخرين؛ أن يعتبر مكاسبهم مكاسبه، وخسائرهم خسائره.”.

        الكنفوشيّة: “بالتّأكيد هي القاعدة الأساس للطّاقة المحبّبة.  لا ترتكب بحقّ الآخرين ما لا تحبّ أن يرتكبوه بحقّك.” الهندوسيّة: “هذه هي خلاصة الاستقامة الحقيقيّة: عامل الآخرين كما تحبّ أن يعاملوك، ولا تفعل بجارك ما لا تحبّ أن يفعله بك.”

         اليهوديّة: “ما تكرهه نفسك، لا تعمله لغيرك. هذا هو القانون الكلّي وما سواه هو شرح وتفسير.”,

        المسيحيّة: “وكما تريدون أن يفعل النّاس بكم افعلوا أنتم أيضاً بهم هكذا.”

        الإسلام: “لا يؤمن أحدكم حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّه لنفسه.” حديث شريف.

        البهائيّة: “لا تحبّ لغيرك ما لا تحبّه لنفسك، ولا تعد بما لا تقدر عليه.”

مُنعطفُ التَّحَوُّلِ أمَامَ كافَّةِ الأُمَمِ ( 15 )

فبراير 29, 2016

ج-    تحسينُ وضعِ المرأةِ

لا يُمكنُ تحقيقُ حضارةٍ عالميّةٍ دائمة التّطوّر في ظلِّ السَّلام المنشود دون مشاركة كاملة للمرأة في مختلف النَّشاطات الإنسانية.[i]  وبينما نجد دعماً متزايداً لهذا المفهوم، إلا أنَّ البونَ لا يزال شاسعاً بين القبول الفكريّ والتَّطبيق العمليّ.

لقد آن الأوانُ لمؤسّساتِ العالم، التي غالبيَّة أعضائها من الرِّجال، أن تستخدمَ تأثيرها في تعزيز مشاركةٍ منهجيّة للنِّساء، ليس من قبيل التَّعاطف أو التَّضحية الذَّاتيّة، بل من دوافع الاعتقاد بأنَّ مساهمات النِّساء ضروريَّةٌ للمجتمع حتى يتطوَّر.[ii]  وعندما تجدُ تلك المساهمات ذلك التَّقدير اللاّزم، عندها فقط سيُجَدُّ في طلبها وستُحاك في نسيج المُجتمع الإنسانيّ، وتكون النّتيجةُ حضارةً أكثرَ أمناً واتِّزاناً وعدلاً وازدهاراً.

لا يجدرُ بالاختلافات البيولوجيّة الواضحة بين الجنسين أن تكون سبباً في عدم المساواة والتَّفرقة، بل هما وجهان متكاملان لشيءٍ واحدٍ.  فإذا نالت المرأة تقديراً لائقاً على دورها كأمّ، فبالمثل سيلقى دورها في رعاية الأطفال وتربيتهم ذلك الاحترام والمكافأة المناسبة.  كما يجب الإقرار بأنّ الدّور في إنجاب الأطفال لا يقلِّل من قدرة المرأة القياديّة والفكريّة والعلميّة والإبداعيّة، بل قد يكون داعماً لها.

ونعتقد بأنّ إحرازَ التَّقدم في بعض الميادين الحيويَّة سيكون له الأثرُ الأكبرُ في تقـدُّم المرأة.  ونشارككم بوجهات النّظر التّالية التي تشكّل أساساً لما يليها من اقتراحات:

أولاً:  قبل كلّ شيءٍ، يجب اجتثاث العُنف ضدَّ النِّساء والفتيات، وهو من أكثر الانتهاكات لحقوق الإنسان انتشاراً ووضوحاً، إذ أصبح العنف جزءاً من واقع حياة الكثير من النِّساء في العالم بغضِّ النَّظر عن العِرق والمُستوى الاجتماعي أو التّعليمي.  وفي كثيرٍ من

المُجتمعات، تعتبر التّقاليد السّائدة أنّ المرأة في مستوى أدنى، أو تشكِّل عبئاً مما يجعلها هدفاً سهلاً للغضب والإحباط.  ولن تقف الإجراءات القانونيّة، أو أساليب التّنفيذ الشّديدة، حائلاً دون ذلك، وسيكون تأثيرُها ضعيفاً ما لم يحدث التّغيير في التَّفكير والمواقف لدى الرِّجال.  ولن تتمتّع النّساء بالأمان ما لم يتبلور وعيٌ اجتماعيٌّ جديد يشجب مجرَّد التَّفكير الفوقيّ تجاه المرأة، أو بدافع العطف عليها، ويستنكر كلَّ أشكال العنف الجسديّ؛ معتبراً كلَّ ذلك مدعاةً للخزي والخجل.

ثانياً:  تبقى العائلة حجر الأساس في بناءِ المُجتمع الإنسانيّ.  فالسّلوكيّات المكتسبة بالمُشاهدة والتّعلم ضمن إطارها سوف تنعكس وتتفاعل على مختلف مستويات المجتمع.  لهذا يتوجّب على كلِّ فردٍ من أفراد هذه المؤسَّسة الإلهيَّة (العائلة) أن يتغيّر، بحيث يصبح مبدأ مساواة الرَّجل والمرأة مندمجاً في نفسه ومن صفاته الذّاتيّة.  وأبعد من ذلك، فإذا ما دعّمت كيانَ العائلة أواصرُ متينة من المحبة والوحدة بين أفرادها، سيتجاوز تأثيرها حدود العائلة ويسري إلى المجتمع عامّةً.

ثالثاً:  بينما يهدف المجتمع، بشكلٍ رئيسٍ، إلى تعليم جميع أفراده، فإنَّ الحاجة الأعظم في هذه المرحلة التّاريخيّة من عمر الإنسانيّة تستوجب تعليم النِّساء والفتيات.[iv]  ومنذ عشرين عاماً ونيِّف، أثبتت الدِّراسات مبدأً ثابتاً وهو أن مـن بين كافّة الاستثمارات المُتاحة تبقى ثمارُ تعليم النساء والفتيات تشكِّل أكبر عائدٍ نفعيٍّ في مجال التَّطوير الاجتماعيّ والقضاء على الفقر وتقدُّم المُجتمع.[v]

رابعاً:  إنّ الحوار العالميّ حول دور الرّجال والنّساء يجب أن يعزِّز الاعتراف بالتّكامل الحقيقيّ لكلا الجنسين.  وما الفوارق بينهما إلا تأكيدٌ طبيعيٌّ للحاجة الماسَّة إلى أن يعمل الرّجال والنّساء معاً لإظهار قدراتهما وتنميتها لخير الحضارة الإنسانيّة، ولا أقلَّ منه حفظ الجنس البشريّ.  وتلك هي فوارق ملازمة في الصِّفات المتفاعلة لطبيعتهما البشريّة المشتركة.  إنّ حواراً كهذا يجب أن يأخذ بعين الاعتبار تلك القوى التي أدَّت إلى اضطهاد المرأة عبر التّاريخ لنستشرف منها الحقائق الاجتماعيّة والسياسيّة والروحانيّة الجديدة التي تعمل الآن على تغيير حضارتنا.

وفي مقدِّمة هذا الحوار، نضع أمامكم مثالاً استقيناه من التّعاليم البهائيّة.  “إنّ العالمَ الإنسانيّ أشبه بطيرٍ له جناحان؛ أحدهما الرّجال والآخر النّساء.  وما لم يكن الجناحان قويّين تويِّدهما قوّة واحدة، فإنّ هذا الطّير لا يمكن أن يطير نحو السّماء”.[vi]

([i])      “عندما يحصل عموم الجنس البشريّ على فرص متكافئة للتّعليم، وتتحقّق مساواة الرّجـل والمرأة، ستزول بالكلّيّة أسباب النّزاع والحروب.  إذ بدون مساواة كهذه لن يتحقّق ذلك لأنّ الفروق والتّباينات تؤدّي إلى الخلاف والنّزاع.  فمساواة الرّجل والمرأة ستعمل على إلغاء الحروب لأنّ المرأة لن ترغب فيها لأنّها لن تضحي بفلذة كبدها في ساحات الحروب بعد عشرين عاماً من الحرص والقلق والرّعاية والحبّ في تنشئته منذ الرّضاعة، مهما كان السّبب الذي دعي للدّفاع عنه.  فمتى حصلت المرأة على مساواتها في الحقوق توقّفت بالكلّيّة جميع الحروب.”

([iii])      “كان العالم في العهود السّالفة أسير سطوة الرّجال؛ تحكمه قسوتهم و تسلّطهم على النّساء بصلابة أجسامهم وقوّة عقولهم وسيطرة شدّتهم.  أمّا اليوم، فقد اضطربت تلك الموازين وتغيّرت واتّجه العنف جهة الاضمحلال، لأنّ الذّكاء والمهارة الفطريّة والصّفات الرّوحانيّة من المحبّة والخدمة التي تتجلّى في النّساء تجلّياً عظيماً صارت تزداد سموّاً يوماً فيوماً.  إذاً فهذا القرن البديع جعل شؤون الرّجال تمتزج امتزاجاً كاملاً بفضائل النّساء وكمالاتهنّ.  وإذا أردنا التّعبير تعبيراً صحيحاً قلنا:  إنّ هذا القرن سيكون قرناً يتعادل فيه هذان العنصران: الرّجل والمرأة، تعادلاً أكثر، ويحصل بينهما توافق أشدّ.”

من بيان لحضرة عبد البهاء ورد في كتاب منتخبات من كتاب بهاء الله والعصر الجديد ط 1995، ص202.

([iv])     إنّ إعطاء الأولويّة للفتاة والمرأة في التّعليم، وتقديمها على الرّجل والشّاب، هو مبدأ أسـاس نصّت عليه التّعاليم البهائيّة.  ففي حديث له عام 1912، تفضّل حضرة عبد البهاء قائلاً:  “عندما دعا حضرة بهاء الله إلى وحدة الجنس البشريّ، أشار إلى موضوع مساواة الرّجل والمرأة بنظـر الخالق، وأنه لا فرق بينهما.  وإذا وُجِد مثل هذا الاختلاف حاليّاً فمردّه إلى نقص التّعليم والتّدريب.  فإذا ما منحت المرأة فرصة في التّعليم كما تُعطى للرّجل، فإنّ الشّعور تجاهها بأنّها دون الرّجل مستوى سيزول والاختلاف ينتهي… أضف إلى ذلك، أنّ تعليم المرأة يفوق في الأهميّة تعليم الرّجل، لأنّ النّساء هنّ أمّهات الجنس البشريّ ويُنشئن الأطفال.  فالأمّ هي المعلّمة الأولى للطّفل، ولذا يجب تعليمها وتأهيلها للقيام بواجب تربية أولادها وبناتها.  وهناك العديد من بيانات حضرة بهاء الله بهذا الخصوص.

مُنعطفُ التَّحَوُّلِ أمَامَ كافَّةِ الأُمَمِ ( 14 )

فبراير 26, 2016

وخلاصة القول، فإنّه بينما ترجع للفرد مسؤوليّة القيام بواجباته في كلّ ميدان، فإنّ على المؤسّسات الدّوليّة واجب حماية حقوقه المتّصلة بتلك الواجبات.  ولأجل ذلك نقترح إجراءات ثلاثة للتّنفيذ الفوريّ هي التّالية:

1-    تقوية آليّة عمل الأمم المتّحدة الخاصّة بالمُراقبة والتّنفيذ والمتابعة

إنّ آليّة عمل الأمم المتّحدة الخاصّة بالمراقبة والتّنفيذ والمتابعة لمدى التزام الحكومات بتطبيق المواثيق الدّوليَّة تعتبر غير كافية؛ ذلك لأنَّ مركز حقوق الإنسان مكوَّن من عددٍ ضئيلٍ من الخُبراء والمختصِّين الذين يناضلون في دعم المجهودات من أجل مراقبة التزام الدُّول بكافّة المعاهدات التي صادقت عليها.

نعتقد بأنّ الموارد المخصَّصة لهذا المركز بحاجة إلى زيادةٍ كبيرةٍ إذا ما أريد له الإيفاء بمسؤوليّاته بالشّكل المناسب.

2-    تشجيعُ المُصادقةِ العالميَّةِ على المواثيق الدّولية لحقوق الإنسان

حيثُ أنّ المُصادقة على المواثيق الدّوليّة لحقوق الإنسان تُشكّل التزاماً من جانب الدّول الأعضاء بتنفيذها – وإن يكن غير مطبَّق على أرض الواقع – فإنَّها تتيح للسِّكرتير العامّ ولكافّة أجهزة الأمم المتّحدة الاستفادة من كلِّ فرصة لحثِّ الدُّول الأعضاء على التّنفيذ.  وفي واقع الأمر، فإنَّ وضع جدولٍ زمنيٍّ مُحدَّدٍ وحازمٍ للمُصادقة العالميّة يمكن أن يكون أسلوباً مُحفِّزاً تضعه الجمعيّة العموميّة نصبَ أعينها.

3-    ضمان احترام هيئات المُراقبة التّابعة للأمم المتّحدة العاملة في مجال حقوق الإنسان

بما أنّ المهامَ الموكلةَ لهيئات مراقبة حقوق الإنسان هامّةٌ وخطيرةٌ في طبيعتها، فمن الواجب على هيئة الأمم المتّحدة أن تكون واعيةً تماماً لما قد تخلِّفه هذه الهيئات في الأذهان من انطباعات انعكاساً لفعاليّاتها أو هيكل تكوينها، فتولي نفس الدّرجة من الأهميّة للتّداول عند العمل على إيجاد حلول للمواقف المحرجة. نعتقد أنّه من الحكمةِ بمكان أن تتمَّ دراسةٌ وافيةٌ لمؤهّلات الدُّول المرشَّحة لِشَغْل المناصب البارزة في عضويّة لجنة حقوق الإنسان، أو في أيّة هيئة مراقبة أخرى؛ فتُستثنى منها من لم يصادق على المواثيق الدَّوليّة، ولو أنّ حقَّها في المُناقشة يبقى محفوظاً.  وهذا ما يُبقي الأمم المتّحدة بعيـدةً عن مواطن الشُّبهة أو الإحراج. كما نعتقد بوجوب وضع استثناءٍ لهذه القاعدة يقضي بأنَّ الدُّول الأعضاء، غير الخاضعة لرقابة الأمم المتّحدة، والتي يكفل دستورها حمايةً كافيةً لحقوق الإنسان الأساسيَّة ولم تتمكَّن من التَّصديق على الميثاق لأسباب سياسيَّة داخليّة، لا مانع من انتخابها لِشَغل المناصب البارزة.

وأخيراً، فإنَّه من الحكمة تجريدُ الدُّول الأعضاء، التي صادقت على المواثيق الدَّوليّة، والخاضعة للمُراقبة لانتهاكاتها الصَّارخة لحقوق الإنسان، من حقِّ انتخابها لمناصبَ في المؤتمرات الدَّوليّة أو في الاجتماعات الأخرى للجنة حقوق الإنسان، إذ أنَّ ذلك يحِدُّ من الانطباعِ الشَّائع بعدم جدِّيّة الإجراءات.

مُنعطفُ التَّحَوُّلِ أمَامَ كافَّةِ الأُمَمِ ( 13 )

فبراير 22, 2016

إنّه الأسلوب الشّامل نحو تأهيلٍ يتيحُ للنّاس مشاركتهم الفاعلة في تكوين الثّروة، ودعمهم في توزيعها العادل.[i]

إنَّ الثّروة الحقيقيّة لا تتحقّق في إنجاز العمل كسباً للرّزق فحسب، بل في اعتبارها خدمة للمجتمع الإنسانيّ أيضاً.  لذا يدخل في اعتقادنا أنّ العمل المُثمر هو حاجة أساسيّة للرّوح الإنسانـيّ، بقدر ما هو ضروريّ وهامّ لتطوّر الفرد في شؤون حياته كضرورة الطّعام والماء النّظيف والهواء العليل لجسمه العنصريّ.

إنّ اقتصار التّركيز في خططنا على إعادة توزيع الثّروة المادّية سيكون مصيره الفشل على المدى البعيد، ذلك لأن الجانب الرّوحيّ في الإنسان يأبى عليه التّواكل.  وعليه، فإنّه من الواجب ضمان توزيع الثّروة بأسلوبٍ عادلٍ، وربطها بعمليّة إيجادها وابتكار أساليب تحقيقها.

وفي سبيلِ الوصول إلى مستوىً أفضل من التّطوير، نقترح على منظومة الأمم المتّحدة التّوصيات التّالية:

1-    إطلاقُ حملةٍ جادّةٍ لتطبيق برنامج 21

تضمّنت خطّة العمل التي أعدّت في مؤتمر الأمم المتّحدة للتّنمية والبيئة مجموعةً واسعةً من الآراء التي قدَّمتها الهيئات المدنيّة إلى جانب ما ورد في هذه الوثيقة من مبادئ مماثلة، إلا أنّ ما أنجزته الدّول الأعضاء من هذه الخطة كان نذراً يسيراً لسوء الحظّ.

وإذا كان لأهداف برنامج 21 أن تتحقّق، فمن الواجب بذل مجهودٍ موسَّعٍ على غرار مشروع مارشال في إعادة تطوير أوروبا ما بعد الحرب العالمية، ولو أنّه مختلفٌ في طبيعته.  وفي هذه الحالة يمكن لمؤسّسات بريتون وُودز (Bretton Woods) الإعلان عن حملة من شأنها الإسراع في مجهودات التّنفيذ الوطنيّة.  وتكليف كهذا لا يمكن أن يصدر إلا عن مؤتمرٍ مماثلٍ لمؤتمر بريتون وُودز الأوّل الذي عقد قبل خمسين عاماً، وتخصيصه لإعادة النَّظر في هذه المؤسَّسات بشكلٍ شاملٍ بهدف توفير موارد كافية لشعوب العالم، لتتمكّن من تنفيذ المبادرات المحليّة.  كما يُمكن للمؤتمر أن يوسّع برنامجه ليشمل موضوعاتٍ أعمق تتعلَّق بالأمـن الاقتصاديّ العالميّ من خلال تحديث المؤسّسات الدّوليّة القائمة، أو إنشاء هياكل جديدة.[ii]

وإذا كُتب لها النَّجاح، فإنَّ هذه الأداة الجديدة يمكن أن تمتدَّ وتتَّسع، فتعمل على التَّنسيق في تطبيق الإجراءات التي تبنّاها مؤتمر القمّة الاجتماعيّ الأخير.

ب-    حمايةُ حقوقِ الإنسانِ الأساسيّة

منذُ أن تأسّست هيئة الأمم المتّحدة، خلال العقود الخمسة الماضية، ساد الاعتقاد بضرورة الاعتراف بحقوق الإنسان إذا ما أردنا للسّلام والتّقدم الاجتماعيّ والنموّ الاقتصاديّ أن يأخذ طريقه قٌدُما، وأنّه من الضَّروريّ حماية تلك الحقوق دوليّاً.

إنّ الأساس لاتفاقيّة دوليّة حول طبيعة حقوق الإنسان يرتكز على الوثيقة الهامّة في الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان الذي تبنَّته الأمم المتّحدة عام 1948؛ وجاء تفصيله بإسهابٍ في الميثاقيْن الدَّوليَّين: “الميثاق الدّوليّ للحقوق المدنيّة والسياسيَّة” و” الميثاق الدّوليّ للحقوق الاجتماعيّة والاقتصاديَّة والثّقافيَّة”، بالإضافة إلى خمسةٍ وسبعين ميثاقاً وإعلاناً يحدِّد ويعزِّز حقوق النِّساء والأطفال، وحريَّة العبادة، وحقّ التّطوُّر والتّقدُّم، وغيرها من الحقوق.

وللنِّظام الحاليّ للأمم المتّحدة حول حقوق الإنسان نقطتا ضعف رئيستان وهما: الوسائل المحدَّدة للتّنفيذ والمتابعة، وقلَّة التّركيز على الواجبات التي تترتَّب على كافّة الحقوق.

إنّ وضع حقوق الإنسان موضع التّطبيق، على المستوى الدّوليّ، يجب أن يُعالَج بطريقة تشابه أسلوب معالجة أيّ عدوان عسكريّ تحت ظلّ نظام الأمن المشترك.  فأيُّ خرقٍ لحقوق الإنسان في دولة ما يجب أن يستدعيَ اهتمام باقي الدّول، فتستجيب آليّات التّنفيذ استجابـة موحّدة من قبل المجتمع الدّوليّ بأسره.  أمّا متى وكيف يمكن التّدخل لحماية حقوق الإنسان، فإنه أمرٌ صعبٌ، والإجابة عنه أصعب.  فالتّنفيذ الحازم يتطلّب درجةً عاليةً من الإجماع الدَّوليّ حول الأمور التي تشكّل خرقاً فاضحاً مقصوداً.

لقد اتُّخذت خطواتٌ هامّةٌ نحو إجماعٍ دوليٍّ خلال المجهودات التي أسفـرت عن عقد مؤتمر حقوق الإنسان عام 1993.  وقد أكَّد هذا المؤتمر بشكل قاطع على أن حقوق الإنسان هي حقوق عالمية ووحدة واحدة لا تتجزَّأ.  فأنهى بذلك نقاشاً في مفهومٍ ساد طويلاً

بأن الحقوق المدنيَّة والسياسيَّة ذات أهميّة قليلة نسبيّاً إذا ما قورنت بالحقوق الاجتماعيّة والاقتصاديّة والثّقافيّة.[iii]   كما أكّدت قرارات المؤتمر على وجوب تطبيق مبادئ حقوق الإنسان بغضِّ النَّظر عن العِرق والجنس والمعتقد الدِّينيّ أو القوميّة.  ويدخل في مضمونها مساواةُ الرَّجل والمرأة، وتساوي حقوق الأفراد في جميع أنحاء العالم فيما يتعلَّق بحرِّية البحث والتّقصّي، والحصول على المعلومات، وممارسة الشَّعائر الدّينيّة، وحقّ الفرد في الحصول على حاجاته الأساسيّة مثل الغذاء والمأوى والرّعاية الصحيّة.[iv]  وبالإضافة إلى ضرورة توفير الإجماع الدَّوليّ، وضرورة دعم تطبيق مبادئ حقوق الإنسان،  فمن الأهميّة بمكان إيجاد وعيٍ أكبر بأن كلّ حقّ فيها يحمل في طيّاته واجباً ومسؤوليّة.

وعلى سبيل المثال، فإنّ حقَّك في اعتبارك شخصاً اعتباريّاً أمام القانون يلزمك بإطاعته، مما يجعل القانون والنّظام القضائيّ أكثر عدالة.  وبالمثل، فإنّه على الصّعيد الاقتصاديّ والاجتماعيّ، يقضي الحقّ في الزّواج مسؤوليّة إعالة العائلة وتربية الأطفال ومعاملة جميع أفراد العائلة باحترام.[v]  إنّ الحقّ في العمل لا يمكن فصله عن مسؤوليّة الفرد في إنجازه بأفضل ما يمكن.  وفي المفهوم الأوسع، فإنّ حقوق الإنسان “العالميّة” تدلُّ ضمناً على مسؤوليّةٍ تجاه الجنس البشري بأكمله.

الحماية، ولذلك يجب أن تطلق حرّيّة الإنسان في حصوله على المعرفة.  إلا أنّ هذه الحرّيّة غالباً ما أسيء استعمالها بدوافع غذّتها رموز اجتماعية لم تعمل على التّخفيف من غلوائها ولو إلى درجة بسيطة.

إنّ نبض الوجدان الإنسانيّ المميّز هو الذي يوفر الخلفيّة التي يرتكز عليها إعلان الكثير من الحقوق التي جاءت في الإعلان العالميّ وما تبعه من مواثيق.  فالثّقافة والتّعليم وحرّيّة التّنقّل، والحصول على المعلومات، وفرص المشاركة في الحياة السّياسيّة؛ كلّها أمور تحتاج ممارستها إلى ضمان المجتمع الدّولي بمثل ما تحتاجها حرّيّة الفكر والعقيدة، وفي مضمونها حرّيّة الدّين وتبنّي الأفكار والتّعبير عنها كلّها بالشّكل اللاّئق.

إنّ جسم البشرية كيان موحَّد لا يتجزّأ، وكلّ فرد فيه خُلق ومعه ضمان رعاية هذا الكيان له.  وفيه تكمن الأسس الأخلاقيّة لمعظم الحقوق الممنوحة، وأهمّها الاقتصاديّة والاجتماعيّة.  وهذا ما تسعى إليه أجهزة الأمم المتّحدة في تحديده وتوضيحه ومنها: أمن الأسرة ، وتوفير السّكن المناسب، وحرّيّة التّملك، وحقّ الفرد في خصوصيّاته.  وتمتدّ مسؤوليّة المجتمع لتشمل: فرص العمل، والرّعاية الصّحيّة والنّفسيّة، والضّمان الاجتماعيّ، والأجور العادلة، والرّاحة والتّرويح عن النّفس، وما يطمح إليه أفراد المجتمع من متطلّبات معقولة.

إنّ مبدأ الضّمان الجماعيّ يوفّر لكلّ فرد الحقّ في تلبية احتياجاته الثّقافيّة التي تشبع انتماءه وهويّته، ويضمن له وضع التّشريعات المحلّيّة والدّوليّة لحماية ذلك؛ وهو ما يشبه تماماً دور الجينات في حياة الإنسان وبيئته.  فالثّروة الضّخمة من التّراث الثّقافيّ المتنوّع التي تجمّعت عبر آلاف السّنين لهي أمر حيويّ للتّطوير الاجتماعيّ والاقتصاديّ للجنس البشريّ في مسيرته نحو البلوغ.  إنّه إرث من حقّه علينا أن نجني ثماره ضمن سياج الحضارة العالميّة.  فمن جهة، علينا أن نحمي ثقافتنا من الاندثار بفعل تأثيرات المادّيّة الجامحة، ومن جهة أخرى يتوجّب علينا تأمين الفرص أمامها للتّفاعل والامتزاج في أنماط من الحضارة غير محدودة ومتحرّرة من تأثير التّيارات السّياسيّة وقواها في المناورات.”

([v])      يجب أن يبدأ أساساً احترام حقوق الإنسان من العائلة:  “قارن أمم العالم بأفراد العائلة.  فالعائلة أمّة صغيرة فإذا ما كبرت دائرتها تصبح أمّة.  والظّروف المحيطة بالعائلة نفسها التـي تحيط بالأمّة، والأحداث في حياة العائلة هي نفسها في حياة الأمة.  فهل بإمكان العائلة أن تتطوّر وتتقدّم إذا برزت الخلافات بين أفرادها وفتك بهم الشّقاق والحسد والسّلب والانتقام والأنانية؟ بالطبع لا، إذ من شأنه أن يطمس آثار التّقدم والتّطور، وكذا الأمر في عائلة الجنس البشريّ؛ ذلك أنّ الأمم ما هي إلا مجموعات من العائلات المختلفة، وعليه، فإنّ النّزاع والشّقاق، كما أنّه يحطّم العائلة ويحول دون تقدّمها، فإنّه يحطّم الأمم ويمنع تقدّمها.”

مُنعطفُ التَّحَوُّلِ أمَامَ كافَّةِ الأُمَمِ ( 12 )

فبراير 14, 2016

وإلى جانب الإجراءات الواجب اتِّخاذها في تقوية بُنيتها، فإنّ الأمم المتّحدة في حاجة إلى تبنِّي مبادرات من شأنها إطلاق القوى الكامنة في جميع الأفراد للمُساهمة في عمليّة التّغيير هذه.  ولتحقيق ذلك لا بدّ من التّفكير ببعض الأمور التي تُسهم في سرعة تطوير الفرد والمجتمع، وأخذها بعين الاعتبار.  ومن بينها: تعزيز التّطوير الاقتصاديّ، وحماية حقوق الإنسان، وتحسين وضع المـرأة، والتّركيز على التّرقّي الأخلاقيّ.  إنها أولوياتٌ أربعٌ على درجةٍ عظيمةٍ من التَّرابط في تقدُّم الحضارة يجب أن تلقى الاهتمام اللاّزم في برامج الأمم المتّحدة.

أ-      تعزيزُ التّطوير الاقتصاديّ

إنَّ الخطط التي اعتمدتها هيئة الأمم المتّحدة والبنك الدّوليّ وعددٌ من الحكومات في التّطوير الاقتصاديّ، خلال السّنوات الخمسين الماضية قد جاءت مخيِّبة للآمال في نتائجها، بالرّغم مـن تنفيذها بإخلاص.  ففي معظم أنحاءِ العالم اتَّسعت الهُوَّة بين الأغنياء والفقراء بتعاظم التَّفاوت في مستوى الدَّخل، وأفلت زمامُ السَّيطرة على الآفات الاجتماعيَّة.  وفي واقع الحال لم تَعُد الجريمة، أو تفشّي الأوبئة والأمراض، ظاهرةً متناميةً فحسب، بل استفحلت في جسم الإنسانيّة، وباتَ من الصَّعب التَّغلُّب عليها.

يمكننا إرجاع الفشل هذا إلى عوامل عدّة منها: التّركيز الخاطئ على مشاريع واسعة في مداها، وانتهاج المركزيّة الموغلة في إدارتها، وقوانين التّجارة الدّوليّة غير العادلة، والفساد المستشري في ثنايا النّظام الحالي، واستثناء المرأة من مراكز صُنع القرار على كافّة المستويات، والعجز في ضمان وصول موارد التّنمية للفقراء وتحويلها بدل ذلك إلى التَّجهيزات العسكريَّة.

إنَّ التَّفحص الموضوعيّ لهذه الحقائق سيكشف لنا خللاً أساسيّاً عامّاً في نمط التَّطوير الاجتماعيّ الحاليّ ألا وهو: معالجة الحاجات والمتطلَّبات المادّية للإنسان، دون اعتبارٍ للحوافز الروحانيَّة وقواها العاملة.

علينا ألا نُربك عمليّة التّنمية بالمساعي لخلق مجتمعٍ استهلاكيّ لا يعوزه الدّعم، ذلك لأنَّ الازدهار الحقيقيّ يَطال السّعادة الرّوحانيّة والمادّية معاً.  بالطّعام والشّراب والمأوى ودرجة من الرّاحة الدّنيويّة لن يشبع الإنسان في رغباته بالرّغم من ضرورتها، كما لا يمكن إشباعها بتحقيق فوزٍ معنويّ يتيح لصاحبه التّميُّز الاجتماعيّ أو السُّلطة السّياسيّة.  وحتى الإنجازات الفكريّة لا تُشبع ما فينا من رغبات وحوافز دفينة.

إنّ التّعطّش لِمَا هو أعظم، لِمَا يتعدّى حدود ذاتنا، يمكِّنُنا من إدراك حقيقة الرّوح الإنسانيّة وفهمها.  ومع أن الجانب الرّوحيّ في طبيعتنا مغمورٌ بكفاحنا اليوميّ لتأمين متطلّباتنا الماديّة، فلا يجوز إغفال الرّوح في توقها لما هو أسمى.  وعليه، فإنّ نمط التّطوير المُستدام يجب أن يَدمِج الطّموحات الرّوحانيّة والحاجات الماديّة جنباً إلى جنب.

إنَّ التّربية والتّعليم هما الاستثمار الأفضل في التّطوير الاقتصاديّ.  ويخبرنا حضرة بهاء الله بقوله: “الإنسانُ هو الطِّلَسْمُ الأعظم، ولكن عدم التّربية حرمه ممَّا فيه”.  وكذلك يتفضّل: “انظر إلى الإنسان!  فهو بمثابة معدنٍ يحوي أحجاراً كريمةً تخرج بالتّربية جواهره إلى عرصة الشّهود، وينتفع بها العالم الإنسانيّ”.[i]  فالتّعليمُ الحقيقيّ يتجاوز الحصول على المعرفة الإنسانيّة المحدودة، أو إتقان مهاراتٍ تتّصل بحياتنا.  فبالإضافة إلى وجوب اعتباره عنصراً أساسيّاً في عملية التّطوير، يجب أن يؤهّلنا التّعليم بكيفيّة الحصول على المعرفة، ويفجِّر في داخلنا قوى الفكر والبحث والتَّحليل، ويغذّي أركان الطّالب بفضائل أخلاقيّة لا غنىً عنها.

“إنّ ألزم الأمور وأبدى الوسائل الملحّة هو توسيع دائرة المعارف، لا يتصوّر النّجاح والفلاح لأمّة من الأمم بدون تطوّر هذا الأمر المهمّ الأقوم.  كما أنّ الجهل والسّفه أعظم باعث على انحطاط الأمم واضطراب أحوالها.  وإننا لنرى أكثر الأهلين لا اطّلاع لهم على الأمور العاديّة، فما بالك بوقوفهم على حقائق الأمور الكلّيّة ودقائق المتطلّبات العصريّة.”

الرسالة المدنيّة لحضرة عبد البهاء؛ دار النشر البهائيّة في البرازيل، ص 67.

“نفس التّباين هذا نلحظه بين الحيوانات؛ فبعضها يلقى التّرويض والتّدريب والآخر يُترك على وحشيّته.  فالدّليل واضح على أنّ عالم الطّبيعة غير كامل، بينما عالم التّربية كامل.  فالإنسان قد تحرّر من مقتضيات الطّبيعة بفضل التّدريب والثّقافة.  فالتّربية إذن ضروريّة وواجبة، إلا أنّها على أنواع؛ فهناك التّربية الجسمانيّة حتى يقوى الجسم وينمو، والتّربية العقليّة أو التّدريب

مُنعطفُ التَّحَوُّلِ أمَامَ كافَّةِ الأُمَمِ ( 11 )

يناير 26, 2016

إنّ الخلل الأساسيّ، الذي تعاني منه المحكمة الدّوليّة، هو افتقارها إلى سلطة تمنحها صلاحيّة اتّخاذ القرار القانونيّ المُلزم، باستثناء الحالات التي اختارت فيها الدّول مُسبقاً الالتزام بقرارات هذه المحكمة.  فبدون هذه السّلطة تقف عاجزةً عن تحقيق العدالة ونشرها.[i]  ومع مرور الوقت، يمكن لقرارات هذه المحكمة أن تكون ملزمةً لكافّة الدُّول.  أما على المدى القريب، فيُمكن العمل على تقويـة المحكمة الدّوليّة بإجراءَيْن آخرَيْن كالتّالي:

1-    توسيع نطاقِ اختصاص محكمة العدلِ الدَّوليَّة

طبقاً لما هو معمولٌ به حالياً، فإنَّ نطاق عمل المحكمة محصورٌ بأنواع محدَّدة من القضايا لا يحقُّ إلا للدّول الأعضاء رفعها دون غيرها.  فنقترح منح منظماتٍ أخرى، منبثقة عن الأمم المتّحدة، مثل هذا الامتياز، لا أن يبقى محصوراً بالدُّول الأعضاء فقط.

2–     التّنسيقُ بين المحاكم المتخصِّصة

يجب أن تعمل محكمة العدل الدّوليّة كمظلّةٍ تضمُّ المحاكم المتخصّصة القائمة والجديدة، بحيث تعمـل حَكَماً يفصل في القضايا الدّوليّة ضمن مجالات متخصّصة محدَّدة.

ويمكن إيجاد عناصر لنظامٍ قضائيٍّ موحَّد في محاكم متخصّصة للفصل في قضايا تتعلَّق بالتِّجارة والنَّقل، وفي التّوصيات المقدّمة لمحاكم مثل محكمة الجنايات الدّوليّة، والمحكمة المختصّة بشؤون البيئة، علاوة على قضايا أخرى قد تحتاج إلى أن تُخصَّص لها محاكم تدخل تحت هذه المظلّة؛ مثل موضوع الإرهاب الدّوليّ والاتّجار بالمخدرات.

رابعاً :   إطلاقُ قُدراتِ الفردتحدٍّ هامٌّ وكبيرٌ أمامَ النِّظامِ العالميِّ الجديد

إنَّ الهدف الرّئيس لمؤسّسات الحكم، وعلى كافّة المستويات، هو تحقيقُ التّقدم في الحضارة الإنسانيّة.  ومن الصّعب تحقيق ذلك دون المشاركة الفاعلة النّابعة من وجدان الأفراد في حياة مجتمعهم وشؤونه.

وفي تركيزها على بناء المؤسّسات وخلق مجتمع الشّعوب والأمم، نجد أنّ الهيئات الدّوليّة عبر التّاريخ قد ظلّت بعيدةً عن عقول شعوب العالم وأفئدتهم.  فلم يتطوّر لدى غالبيّة الشّعوب حتى الآن أيّ ميل للتّقارب نحو مؤسّسات كالأمم المتّحدة.  وما يزيدها ابتعاداً عن السّاحة الدّوليّة طبقات من الحكم متعدِّدة، عدا ما تحدثه وسائل الإعلام من إرباكٍ وتشويش لدى عامّة النّاس في تغطيتها للأحداث، اللّهمَّ إلا من نفرٍ قليلٍ كان لهم بعض الاتّصال بالسّاحة الدَّوليّة عبر قنوات استطاعوا فيها أن يحقّقوا ذاتهم بالخدمة في منظّمات المجتمع المدنيّ.

وتكمن المفارقة في أنَّ المؤسّسات الدّوليّة لا تستطيع الارتقاءَ إلى مستوىً من النُّضج والتّأثير، كهيئة حاكمة لها دورها في تحقيق هدفها الرّئيس في صنع الحضارة الإنسانيّة، ما لم تُدرك جوهر علاقتها المتداخلة بشعوب العالم وتعمل على رعايتها.  إنَّ إدراكاً كهذا سوف يقيم في النّفوس دعائم الثّقة ويحفزها على دعمٍ من شأنه غَذُّ الخُطَى نحو نظامٍ عالميٍّ جديد.

إ ن المهام المطلوبة لتطوير مجتمعٍ دوليٍّ تدعونا إلى الارتقاء إلى مستوياتٍ من القدرات والطّاقات تتعدّى ما استطاع الجنس البشريّ أن يصلَه حتى الآن.  ولتحقيق ذلك، فإنّ الأمر يتطلّب فتح الأبواب مشرعةً أمام كلِّ فرد للوصول إلى المعرفة بأوسع مداها.  فنجاح المؤسّسات الدَّوليّة في بعث الطّاقات الكامنة لدى شعوب العالم وتوجيهها يعتمد على مدى قدرتها في تحقيق التّوازن في ممارستها سلطتها، لتفوز بثقة من تقوم على رعاية مصالحهم ودعمهم واحترامهم، منتهجةً سبل المشورة الحرَّة الصَّريحة، وإلى أقصى حدٍّ ممكن، مع أولئك الذين ستتأثَّر مصالحهم بالقرار. والأفراد، الذين يمنحون الثِّقة والاحترام لهذه المؤسّسات، سوف يقومون بمطالبة السُّلطات في حكومتهم بزيادة دعمها السّياسيّ والاقتصاديّ للنِّظام الدَّوليّ.  وبفضل ازدياد قوَّتها وتأثيرها، سترتقي المؤسّسات الدّوليّة إلى وضع يمكّنها من اتّخاذ خطوات أخرى وإجراءات إضافيّة في سبيل تأسيس نظامٍ عالميٍّ فاعلٍ وشرعيّ.

مُنعطفُ التَّحَوُّلِ أمَامَ كافَّةِ الأُمَمِ ( 10 )

يناير 17, 2016

وبالإجمال، فإنّ هذه المنظّمات تملك جهازها التّنفيذيّ الخاصّ بها، ويجب دعم استقلاليّتها والحفاظ عليها كجزءٍ من الدّور التّنفيذيّ العالميّ.[i]

ج-    محكمةٌ دوليَّةٌ لها سُلطتُها الأقوى

في أيِّ نظامٍ لإدارة شؤون العالم، من الضَّروريّ وجود سلطةٍ قضائيّةٍ قويّة تدعم باقي السّلطات، وتحافظ على التّوازن بينها، وتحقّق العدالة وتصونها.  إنّ الدّافع لخلق مجتمع تسوده العدالة كان من بين القوى الأساسيّة على مرّ التّاريخ.[ii]  ولا شكّ أنّ حضارة عالميّة دائمة لا يمكن تأسيسها إلاّ على قواعد متينة من العدل.

إنّ العدل هو القوّة الوحيدة التي باستطاعتها أن تُترجم بزوغ وعي الإنسانيّة بوحدة الجنس البشريّ إلى إرادة جماعيّة يمكنها، بكلِّ ثقة، من بناءِ حياة المُجتمعات الإنسانيّة على هذا الكوكب.  إنّه عهد، يشهد شعوب العالم، وهي تستزيد من حصولها على المعرفة باختلاف أنواعها وعلى الأفكار بتنوُّع أشكالها، سيجد أنَّ العدل سيفرض مبدأ حيوياً للنّظام الاجتماعيّ النّاجح.

فعلى المُستوى الفرديّ، فإنَّ العدلَ والإنصاف هما قدرةُ الإنسان على التَّمييز بين الخطأ والصَّواب.  وبالمنظار الإلهيّ، كما يؤكده حضرة بهاء الله، فهو “أحبُّ الأشياء” الذي يدعو كلّ فرد أن يرى “الأشياء” بعينه “لا بعين العباد” وأن يعرفها بمعرفته “لا بمعرفة أحد في البلاد”.

والعدلُ، عند الجماعة، هو نبراسها في اتّخاذ قرارها.  ذلك لأنّه السّبيل الوحيد نحو تحقيق وحدة الفكر والعمل.  وبعيداً عن إثارة روح القصاص المتسربلة بالعدل، كما كان في الماضي، فإنّ العدل هو التّعبير العمليّ للحقيقة القائلة بأنّه في سبيل تطوُّر الجنس البشريّ فإنَّ مصالح الفرد ترتبط ارتباطاً وثيقاً وحتميّاً بمصالح المُجتمع.  وحتى يكون العدل هاديَ المجتمع الإنسانيّ في تعاملاتـه، لا بدّ من توفير جوٍّ من المشورة يسمح بدراسة الخيارات وتفحّصها، بالحياد اللازم، واتخاذ الإجراءات التّنفيذية المناسبة.  وفي جوِّ كهذا، تتنحّى جانباً مؤثّرات النّزعات المتأصّلة نحو التّلاعب والانحياز في عمليّة اتّخاذ القرار.

إنَّ مفهوماً للعدل كهذا يجب أن يتأصَّل في النُّفوس تدريجيّاً بإدراكنا حقيقة التَّداخل الحتميّ لمصالح الأفراد والمجتمعات في هذا العالم المترابط.  وفي هذا السّياق، يكون العدل هو الخيط  الذي يدخل في نسيج كلِّ تعاملٍ إنسانيّ يَطال الأسرة ومن حولها ليصل إلى العالم بأسره.

وفي النِّظام الذي تعمل بموجبه الأمم المتّحدة حاليّاً، نجد أساساً لمحكمةٍ دوليّةٍ أكبر قوّة.  وعندما تشكّلت محكمة العدل العُليا عام 1945، لتكون الأداة القضائيّة الرّئيسة في الهيئة الدّوليّة، تميّزت بعدّة جوانب إيجابيّة؛ منها، على سبيل المثال، أسلوب اختيار أعضائها بحيث يمثّلون طبقات مختلفة من فئات الشّعوب ومن مناطق متعدِّدة وأنظمة قضائيّة متنوّعة.

قبل خمسة وسبعين عاماً تقريباً، قدّم حضرة عبد البهاء الاقتراحات التّالية الخاصّة بمحكمة دوليّة في المستقبل: “على مجلس الشّعب في كلّ دولة ( البرلمان) أن ينتخب اثنيـن أو ثلاثة من صفوة النّاس خبرة في القوانين الدّوليّة والعلاقات بين الحكومات والملمّين بحاجة الإنسانيّة في وقتنا الحاضر. ويجري تعيين عدد الممثّلين لكلّ دولة طبقاً لعدد سكّانها.  ويجب أن يصادق على هذا الانتخاب مجلس الأعيان والحكومة، ثمّ رئيس الدّولة أو الملك.  وبذلك يكون انتخابهم قد تمّ من قبل الشّعب والحكومة.  وبهذه التّركيبة الممثِّلة لجميع الشّعوب ستشكّل المحكمة الدّولية لأنّ كلّ عضو فيها ممثِّل لشعبه تمثيلاً حقيقيّاً.  وعندما تصدر المحكمة حكمها في مسألة عالميّة – بإجماع الآراء أو بأغلبيّتها – فلن تكون أمام المدّعي أو المدّعى عليه أيّة حجّة.  وإذا ما أهملت دولة قرار

مُنعطفُ التَّحَوُّلِ أمَامَ كافَّةِ الأُمَمِ ( 9 )

يناير 16, 2016

2-    اتّخاذُ ترتيباتٍ خاصّة

ولدعم عمليّات الأمم المتّحدة في حفظ السّلام، وتعزيز مصداقيّة قرارات مجلس الأمن، يتوجّب تشكيل قوّة دوليّة[i] تنتمي في ولائها للأمم المتّحدة بعيداً عن أيَّة اعتبارات وطنيّة، ويتمّ تسليحها تسليحاً كاملاً، وتوضع تحت قيادة الأمين العامّ وإشرافه، وتحت سلطة مجلس الأمن، كما أنّ الجمعية العامّة للأمم المتّحدة ستحدّد مصادر تمويلها.  ولدى تأسيسها، سيعمل الأمين العام على رفد هذه القوّة بكوادر مدرّبة كفؤة من مختلف أرجاءِ العالم.

وإذا ما تشكَّلت تلك القوّة بالشَّكل السَّليم، فإنّها ستخلق لدى الجميع شعوراً بالأمن، ممّا سيدفع إلى خطوات أخرى نحو نزع السّلاح في العالم، ويفسح المجال أمام حظرٍ كاملٍ لأسلحة الدَّمار الشَّامل.[ii]  إضافة إلى ذلك، وتمشِّياً مع مبدأ الأمن المشترك، فإنَّ الدُّول الأعضاء ستتفهّم بالتَّدريج أنّها بحاجة إلى سلاحٍ للدِّفاع عن نفسها ولحماية أمنها لا لهدفٍ آخر.

في خطوةٍ فوريّةٍ نحو تأسيس هذه القوّة، فإنّه يمكن اعتماد النِّظام الذي يتمُّ بموجبه حاليّاً تشكيل قوّات عسكريّة أساسيّة للانتشار السَّريع عند نشوب الأزمات.

3-    تطبيقُ مبدأ الأمن المُشترك على مشاكل أخرى عالميّة

بالرّغم من أنّ مبدأ الأمن المُشترك قد استحدث أساساً في إطار التّهديدات بالعدوان العسكريّ، إلا أن البعض يرى فيه إمكانيّة تطبيقه حاليّاً على نطاقٍ واسعٍ لمواجهة جميع التَّهديدات التي تبدو حسب الظّاهر محليّة، إلا أنها نتيجة لمشاكل معقَّدة قد برزت من انحلال النّظام العالميّ القائم.  ومن هذه التّهديدات، على سبيل المثال لا الحصر، تجارة المخدّرات والأمن الغذائي وظهور الأوبئة الجديدة الفتّاكة.[iii]

إنّنا على يقينٍ بأنَّ هذا الموضوع يجب وضعه على جدول أعمال المؤتمر العالميّ المقترح.  ومع ذلك فإنّه من غير المحتمل أن تنجح الخطط الشاملة للأمن المشترك في اجتثاث أسباب العدوان العسكريّ.

4-    الحفاظُ على مؤسّسات الأمم المتّحدة النّاجحة ذات الدّور التّنفيذيّ المُستقلّ

بعضُ المنظّمات التي تتمتّع بقسطٍ وافرٍ من الاستقلاليّة داخل الأسرة الدّوليّة، مثل: مؤسسة الأمم المتّحدة لرعاية الطّفولة (اليونيسيف)، ومنظّمة الطّيران المدنيّ الدّوليّة، والاتّحاد البريديّ العالمـيّ، والاتّحاد الدّوليّ للاتّصالات السّلكيّة واللاّسلكيّة، ومنظّمة العمل الدّوليّة، ومنظّمة الصّحة العالميّة، قد أصابت نجاحاً بارزاً في ميادين محدّدة وهامّة على السّاحة الدّوليّة.

مُنعطفُ التَّحَوُّلِ أمَامَ كافَّةِ الأُمَمِ ( 8 )

يناير 5, 2016

ولهذا، نقترح تشكيل هيئة رفيعة المستوى يمثّل أعضاؤها مناطق مختلفة ومجالات متعدِّدة، تدخل في صلب الموضوع، تشمل اللّغويات والاقتصاد وعلم الاجتماع والتّعليم والإعلام، لتأخذ على عاتقها دراسةً دقيقةً لاختيار لغةٍ عالميَّةٍ إضافيّة، والاتّفاق على خطٍّ عموميّ.

وفي نهايةِ المطاف، نرى أنَّ العالم لا بُدَّ له من اتِّخاذ لغةٍ عالميّةٍ واحدةٍ مُتَّفق عليها وخطّ عموميّ ليُدرَّس في المدارس في جميع أنحاءِ العالم؛ وستكون لغةً إضافيّةً إلى جانب اللّغة أو اللّغات الأصليّة للقُطر.  والهدف منه تسهيل عمليّة الانتقال إلى المُجتمع العالميّ من خلال توفير سبلٍ أفضل للاتّصال بين الشّعوب، وتخفيض التّكاليف الإداريّة للمؤسّسات التّجارية والحكومات والهيئات الأخرى المعنيَّة بالعولمة، وخلق روابط أمتن بين كافّة أفراد الأسرة البشريّة.[i]

إنّه علاجٌ جديرٌ بالدِّراسة الدَّقيقة، وهو لا يدعو إلى طمس أيَّة لغةٍ حيَّةٍ أو ثقافةٍ متوارثة.

5-    دراسةُ استخدام عملةٍ عالميّةٍ موحّدةٍ

إنّ استخدام عملةٍ عالميَّةٍ موحَّدةٍ، كعاملٍ حيويّ على طريق التَّكامل الاقتصادي العالميّ، لهو حاجة أصبحت واضحة.  ويؤمن الاقتصاديّون أنه من بين فوائدها الأخرى إعاقة عمليّات المُضاربة غير المُنتجة، والحدّ من تقلّبات السّوق الفجائيّة، وإحداث التّقارب بين مستويات الدّخل والأسعار على الصّعيد العالميّ مما يوفّر كثيراً من الأموال.[ii]

إنّ إمكانيَّة التّوفير هذه لن تتحقَّق ما لم تتوفّر مجموعة من الأدلّة الدّامغة تزيل القلق والرّيبة من قلوب المتشكِّكين، مدعمة بخطّةٍ جديرةٍ بالثِّقة.  إنَّنا نقترح تعيين لجنةٍ مكوَّنةٍ من نخبـةٍ من قادة الحكومات والأكاديميّين والخبراء للبدء فوراً بدراسة الفوائد الاقتصاديّة والسّياسيّة للعملة الموحَّدة وتبعاتها، ثم وضع أسلوبٍ فاعلٍ ومؤثِّر للتّنفيذ.

ب-    تطويرُ دور تنفيذيّ هادف

إنّ أهمّ دور تنفيذيّ على المستوى الدّوليّ هو وضع ميثاق الأمن المشترك موضع التّنفيذ. ويتطلّب الأمن المُشترك ميثاقاً مُبرماً بين الأمم يدعو إلى تنسيقٍ تامٍّ يقف أمام أيّ تهديدٍ يواجه الجماعة.  وتعتمد فعاليّة الميثاق على مدى التزام الأعضاء بخير الجماعة، حتى لو كان ذلك بدافع من مصلحة ذاتيّة بعيداً عن الأنانيّة.

وضمن نطاق هيئة الأمم المتّحدة، فإنّ الدَّور التّنفيذيّ غالباً ما يأخذه مجلس الأمن، بينما تشاركه الأمانة العامّة في الفعاليّات الأخرى.  وكلاهما غير قادر على تنفيذ المهام المناطة به.  فمجلس الأمن يعاني من عدم قدرته على اتّخاذ إجراءات حازمة، والأمانة العامّة تئنُّ تحت ثقل مطالب الدُّول الأعضاء.

وعلى المدى القريب، يمكن اتّخاذ أربعة إجراءات عمليّة لتقوية الدّور التّنفيذي للأمم المتّحدة كما يلي:

1-    تحديدُ استخدامِ حقِّ النَّقض (الفيتو)

كان الهدفُ الأساس لميثاق الأمم المتّحدة في منح الأعضاء الخمسة الدّائمين حقَّ النَّقض (الفيتو)، منع مجلس الأمن من السَّماح بالقيام بعملٍ عسكريّ ضدَّ أيّ عضوٍ دائم، أو استخدام القوّة ضدّ رغبة ذلك العضو.[iv]  ويمكننا القول بأنَّ حقَّ النّقض (الفيتو) أصبح يستخدم مراراً لتحقيق الأمن الوطنيّ أو الإقليميّ مع ابتداء الحرب الباردة.

في الوثيقة التي قدّمتها الجامعة البهائيّة العالميّة عام 1955 حول إصلاحات مقترحة على بُنية الأمم المتّحدة، تطرّقت إلى فكرة الإلغاء التّدريجيّ لمبدَأيْ: “العضويّة الدّائمة”، و”حقّ النّقض (الفيتو)” بهدف بناءِ جسور الثّقة بمجلس الأمن وتقويتها.  واليوم، وبعد أربعين عاماً نعود لنؤكد على هذا الموقف، ونقترح مع ذلك اتّخاذ خطوة انتقاليّة لوضع إجراءات تحدُّ من استخدام حقّ النّقض في سبيل تحقيق الهدف الرّئيس للميثاق.


تابع

احصل على كل تدوينة جديدة تم توصيلها إلى علبة الوارد لديك.