الخلاصة والحلول (14)

وفي تقديرنا لأهمية التحولات التي جاءت بها حقبة التاريخ المسماه بالقرن العشرون، لا يجمل بنا تجاهل الظلمة التي صاحبتها، وأبرزت للعيان ما تحقق من انجازات. 

وكان من مظاهر تلك الظلمة إبادة متعمّدة لملايين من البشر الذين لا حول لهم ولا قوة، ثم اختراع أسلحة الدمار الشامل واستخدامها،

أضف إلى ذلك رواج العقائد المذهبية التي قضت على الحياة الروحية والفكرية لدى شعوب بأكملها، وأضرار لحقت بالبيئة الطبيعية على هذا الكوكب بلغت من الجسامة ما قد تستغرق معالجة آثارها قرونًا عدة.

  وأخيرًا ما حاق بأجيال الطفولة من أذى بليغ لا يمكن حصره أو تحديده، وقد نشأت وترعرعت على الاعتقاد بان العنف والفحش والأنانية من مقوّمات الحرية الشخصية. 

تلك هي مجرد الآفات الأكثر وضوحًا في قائمة الشرور التي لا مثيل لها في التاريخ، والتي سيورِث زماننا دروسها عبرةً للأجيال اللاحقة وقد طهّرتها الآلام. 

إن الظلام، على أية حال، ليس ظاهرة تتمتع بنوع ما من البقاء والوجود، أو إلى حد أقل بالاستقلالية. 

والظلام ليس قادرًا على إطفاء النور أو حجبه، لكنه يحدد تلك البقاع المظلمة التي لم يصلها النور أو التي لم تتعرض للإضاءة الكافية.  وعليه، فإنه بدون شك سيُقيّم حضارة القرن العشرين مؤرخو عصر أكثر نضوجًا ونزاهة.

  أما الوحشية التي اتّسمت بها الطبيعة الحيوانية التي انفلت زمامها في تلك السنوات العصيبة، وبدت وكأنها تهدد بقاء المجتمع، لم تمنع في واقع الحال ذلك التفتح المستمر للطاقات الخلاقة التي يملكها الوعي الإنساني. 

بل إن ما حدث هو العكس؛ فمع تعاقب سنوات القرن أفاقت جموع متزايدة من الناس لتكتشف كم كانت الولاءات التي اعتنقتها فارغة، وكم كانت المخاوف التي كبّلتهم حتى بضع سنين ماضية أوهاماً واهية. 

إن كل حرب أو فجيعة تقريبًا وقعت في كوكبنا هذا خلال القرن الماضي سببتها معارضة الإنسان لقوى العالمية والوحدة التي كانت تغلغلت في أركان العالم منذ ظهور حضرة بهاءالله.

إن التعصب العرقي والديني والوطني وغيرها يتعارض تمامًا مع تعاليم حضرة بهاءالله.

فكل قوم إذًا، تنطبع أفعالهم بطابع التعصب والكراهية والأنانية والطمع وفوق كل ذلك معارضة مبدأ وحدة الجنس البشري، سيتسببون في خلق عدم الاستقرار، والتوتر وسفك الدماء في العالم ثم، عاجلاً أم آجلاً، يختمون بأنفسهم على نهايتهم.

يصف بهاء الله نقطة التحول هذه في مسيرة الحضارة الإنسانية قائلاً: “إنه يوم لا مثيل له! فهو بمثابة البصر بالنسبة للقرون والعصور الماضية، كما أنه نور يبدّد ظلام الأيام”.(8)

فالقضية من هذا المنظور ليس موضوعها ظلامًا طمس التقدّم الذي تم إنجازه في السنوات المائة غير الاعتيادية التي بلغت نهايتها الآن،

وإنما القضية هي طرحٌ للسؤال: كم من المعاناة والدمار ينبغي علينا – نحن البشر – أن نكابد قبل أن نتقبّل بصدق وأمانة تلك الطبيعة الروحية التي تجعل منا أمّةً واحدة؟ ومتى نستجمع شجاعتنا ونخطط لمستقبلنا في ضوء ما وَعَيْنَاه وتعلمناه من العبر والدروس القاسية؟

ولا يوجد فيما تركه لنا بهاء الله من آثار كتابية ما يدفع إلى التوهّم بأن التغييرات والتحولات المُنتظرة سوف تأتي بيسر وسهولة،

بل على العكس؛ فقد أظهرت أحداث القرن العشرين أن أنماط العادات والسلوك التي ترسّخت وتأصّلت على مدى آلاف السنين لا تُطرح جانبًا ويتخلى الناس عنها تلقائيًا أو استجابة لأي برنامج تربوي أو قوانين تشريعية. 

فأي تغيير جوهري، سواء كان في حياة الفرد أو المجتمع، لا يتم في الغالب إلا عبر المعاناة الشديدة، ونيتجة لمصاعب شاقة لا تُحتمل ولا يمكن تخطّيها إلاّ بمثل هذا التغيير الجوهري. 

وقد نبّه بهاء الله إلى أنه لا بد من المرور بتجربة واختبار بهذه الجسامة والخطورة لكي تلتحم شعوب العالم على اختلاف ألوانها وأهوائها لتصبح شعبًا واحدًا متّحدًا. 

إلا أنه مهما كان عِظَم الاضطرابات والمعاناة اللّذين يشهدهما العالم، فإن الفترة التي بدأت الإنسانية دخولها، سوف تفتح أمام كل فرد وكل مؤسسة وكل مجتمع على وجه البسيطة مجالات وآفاقًا لم يسبق لها مثيل لكي يُسهم الكل في اختطاط طريق المستقبل لهذا الكوكب الذي نعيش عليه. 

فقريبًا، كما وعد بهاء الله وعده الأكيد، “فلسوف يُرفع بساط هذا العالم ليحل محله بساطٌ آخر.  إن ربك لهو الحق علاّم الغيوب”.(14)

المراجع: كتاب قرن الانوار- كتاب من يخط طريق المستقبل -كتاب ظهور بهاء الله ج2- الرسالة المدنية- رسالة “السلام العالمي وعد حق”

الأوسمة: ,

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.