أرشيف فبراير, 2010

لوح ايام الهاء

فبراير 26, 2010

<a href="“>
كل عام والجميع بخير

الخلاصة والحلول (14)

فبراير 24, 2010

وفي تقديرنا لأهمية التحولات التي جاءت بها حقبة التاريخ المسماه بالقرن العشرون، لا يجمل بنا تجاهل الظلمة التي صاحبتها، وأبرزت للعيان ما تحقق من انجازات. 

وكان من مظاهر تلك الظلمة إبادة متعمّدة لملايين من البشر الذين لا حول لهم ولا قوة، ثم اختراع أسلحة الدمار الشامل واستخدامها،

أضف إلى ذلك رواج العقائد المذهبية التي قضت على الحياة الروحية والفكرية لدى شعوب بأكملها، وأضرار لحقت بالبيئة الطبيعية على هذا الكوكب بلغت من الجسامة ما قد تستغرق معالجة آثارها قرونًا عدة.

  وأخيرًا ما حاق بأجيال الطفولة من أذى بليغ لا يمكن حصره أو تحديده، وقد نشأت وترعرعت على الاعتقاد بان العنف والفحش والأنانية من مقوّمات الحرية الشخصية. 

تلك هي مجرد الآفات الأكثر وضوحًا في قائمة الشرور التي لا مثيل لها في التاريخ، والتي سيورِث زماننا دروسها عبرةً للأجيال اللاحقة وقد طهّرتها الآلام. 

إن الظلام، على أية حال، ليس ظاهرة تتمتع بنوع ما من البقاء والوجود، أو إلى حد أقل بالاستقلالية. 

والظلام ليس قادرًا على إطفاء النور أو حجبه، لكنه يحدد تلك البقاع المظلمة التي لم يصلها النور أو التي لم تتعرض للإضاءة الكافية.  وعليه، فإنه بدون شك سيُقيّم حضارة القرن العشرين مؤرخو عصر أكثر نضوجًا ونزاهة.

  أما الوحشية التي اتّسمت بها الطبيعة الحيوانية التي انفلت زمامها في تلك السنوات العصيبة، وبدت وكأنها تهدد بقاء المجتمع، لم تمنع في واقع الحال ذلك التفتح المستمر للطاقات الخلاقة التي يملكها الوعي الإنساني. 

بل إن ما حدث هو العكس؛ فمع تعاقب سنوات القرن أفاقت جموع متزايدة من الناس لتكتشف كم كانت الولاءات التي اعتنقتها فارغة، وكم كانت المخاوف التي كبّلتهم حتى بضع سنين ماضية أوهاماً واهية. 

إن كل حرب أو فجيعة تقريبًا وقعت في كوكبنا هذا خلال القرن الماضي سببتها معارضة الإنسان لقوى العالمية والوحدة التي كانت تغلغلت في أركان العالم منذ ظهور حضرة بهاءالله.

إن التعصب العرقي والديني والوطني وغيرها يتعارض تمامًا مع تعاليم حضرة بهاءالله.

فكل قوم إذًا، تنطبع أفعالهم بطابع التعصب والكراهية والأنانية والطمع وفوق كل ذلك معارضة مبدأ وحدة الجنس البشري، سيتسببون في خلق عدم الاستقرار، والتوتر وسفك الدماء في العالم ثم، عاجلاً أم آجلاً، يختمون بأنفسهم على نهايتهم.

يصف بهاء الله نقطة التحول هذه في مسيرة الحضارة الإنسانية قائلاً: “إنه يوم لا مثيل له! فهو بمثابة البصر بالنسبة للقرون والعصور الماضية، كما أنه نور يبدّد ظلام الأيام”.(8)

فالقضية من هذا المنظور ليس موضوعها ظلامًا طمس التقدّم الذي تم إنجازه في السنوات المائة غير الاعتيادية التي بلغت نهايتها الآن،

وإنما القضية هي طرحٌ للسؤال: كم من المعاناة والدمار ينبغي علينا – نحن البشر – أن نكابد قبل أن نتقبّل بصدق وأمانة تلك الطبيعة الروحية التي تجعل منا أمّةً واحدة؟ ومتى نستجمع شجاعتنا ونخطط لمستقبلنا في ضوء ما وَعَيْنَاه وتعلمناه من العبر والدروس القاسية؟

ولا يوجد فيما تركه لنا بهاء الله من آثار كتابية ما يدفع إلى التوهّم بأن التغييرات والتحولات المُنتظرة سوف تأتي بيسر وسهولة،

بل على العكس؛ فقد أظهرت أحداث القرن العشرين أن أنماط العادات والسلوك التي ترسّخت وتأصّلت على مدى آلاف السنين لا تُطرح جانبًا ويتخلى الناس عنها تلقائيًا أو استجابة لأي برنامج تربوي أو قوانين تشريعية. 

فأي تغيير جوهري، سواء كان في حياة الفرد أو المجتمع، لا يتم في الغالب إلا عبر المعاناة الشديدة، ونيتجة لمصاعب شاقة لا تُحتمل ولا يمكن تخطّيها إلاّ بمثل هذا التغيير الجوهري. 

وقد نبّه بهاء الله إلى أنه لا بد من المرور بتجربة واختبار بهذه الجسامة والخطورة لكي تلتحم شعوب العالم على اختلاف ألوانها وأهوائها لتصبح شعبًا واحدًا متّحدًا. 

إلا أنه مهما كان عِظَم الاضطرابات والمعاناة اللّذين يشهدهما العالم، فإن الفترة التي بدأت الإنسانية دخولها، سوف تفتح أمام كل فرد وكل مؤسسة وكل مجتمع على وجه البسيطة مجالات وآفاقًا لم يسبق لها مثيل لكي يُسهم الكل في اختطاط طريق المستقبل لهذا الكوكب الذي نعيش عليه. 

فقريبًا، كما وعد بهاء الله وعده الأكيد، “فلسوف يُرفع بساط هذا العالم ليحل محله بساطٌ آخر.  إن ربك لهو الحق علاّم الغيوب”.(14)

المراجع: كتاب قرن الانوار- كتاب من يخط طريق المستقبل -كتاب ظهور بهاء الله ج2- الرسالة المدنية- رسالة “السلام العالمي وعد حق”

(13) الماضي والحاضر

فبراير 20, 2010
  • لقد شهد القرن الماضي تلاشي حكم الاستبداد والاستعمار, وتهاوت نظريات اقتصادية وسياسية اُعتبرت غاية الطموح ردحاً من الزمن. ومع بلوغ الفرد لمستوى من النضج الفكري برز إجماع بأن شكلا من أشكال حكم الشعب العادل الذي يضمن حرية الفرد في الاختيار والتعبير في ظل نظام انتخابي حر ونزيه, وحس راسخ بالمسؤولية, وحرص على المصلحة العامة إنما هو نظام الحكم المفضل.

  • فاذا دققنا في الديمقراطية الحالية باعتبارها نظاماً مثاليا قياساً بالانظمة المجربة الأخرى, نجده يعاني اليوم من تشنجاته الخاصة.

ومع نجاحه في الغرب, فإن نظام تعدد الأحزاب كشف عن بعض التقصير والعجز. حيث اعتادت أن تعصف بالمجتمع تيارات المنافاسات السياسية غير الشريفة, والحملات  الانتخابية الهدامة أحياناً, ومقايضة أصوات الناخبين, ومايفرزه ذلك من فساد مستشر على حساب الصالح الخاص والعام,

مما أشعر الناخب باللامبالاة وفقدان الثقة بالقيادة وضمور حسة بالمواطنة والأنتماء, مما حد من قدرة البشرية على التطور الأجتماعي الجماعي وتحقيق الازدهار المرجو على نطاق واسع في العالم, وايضا الى تدهور خطير في الأحوال السياسية والأقتصادية.

  • أمام هذا الواقع المتبلبل بالصراعات من جهة, وشلل الأدارة من جهة أخرى, يمكن إيجاد البديل من تجارب الجامعة البهائية العالمية في كل مكان, والتي تعيش في ظل نظام مميز لحكم ذاتي يضمن حرية الفرد والصالح العام معا أسسه لها حضرة بهاء الله .

  • إنه نظام يفوق بديمقراطيته أي نظام آخر من وجوه عدة؛ فهو يسمو فوق عمليات التلاعب والأنشقاق الحزبي, والموالاة, والمناصرة التي اصبحت من سمات انظمة الحكم غير الملائمة في العالم.

  • فلا ترشيح ولا دعاية انتخابية في في كافة مستويات النظام الإداري, محليا ومركزيا وعالمياً. وبذلك تقدم للناخبين أكبر قاعدة من الأختيار الحر ويسمح للكفاءات أن تأخذ مكانها.

أما عملية إتخاذ القرار فتتم في جو من المشورة البناءة الهادفة والهادئة المؤدية إلى وحدة الرؤية في ظل وحدة الهدف وذلك بالتعبير الحر وطرح وجهات النظر المختلفة على طالولة البحث لتصبح ملكاً للمجموعة المتشاورة لا ملك صاحبها,

واخياراً يسعى الجميع بكل احترام الى قرار جماعي يحقق الصالح العام, وتغدو طاعته واجبة, مع فتح باب الاعتراض ضمن القنوات الإدارية المحددة شريطة الحفاظ على هيبة الهيئة واحترامها.

  • يقوم هذا النظام على هيئات رسمية تجسد فن القيادة الأخلاقية وتأتي على جناحين الاول انتخابي طبقا لما اسلف ذكره والثاني تعيني يتم تعين افراده ممكن عرفوا بسعة المعرفة والحكمة والحنكة والكفاءة والاخلاص لتقديم المشورة للجناح الأول.

  • انه نظام يعد جنينيا لما يمكن أن يصبح نواة نظام عالمي يعمل على ضمان حقوق الأنسان ويطور قدراته ليخدم الصالح العام. وقد أثبت النظام جدارته في تشكيل جامعة عالمية متحدة مترامية الأطراف تضم تضم أفراداً ربما الأكثر تنوعاً في العالم في ظل وحدة الرؤية والهدف.

والبهائية دين عالمي يدير شؤونه وفق نظام يتيح لجميع مسؤولياته الصريحة في تحقيق الوحدة والوئام وفقا لما جاء في أثاره المباركة. والبهائيون يدركون بأن نظامهم الإداري ماهو إلا دستور الحضارة العالمية القادمة.

(12)لماذا يكون الحل الهي المصدروبهائي الصيغة

فبراير 13, 2010
  • أن الفارق الجوهري بين دين حضرة بهاء الله وبين الأديان السابقة.  أنه بينما نصّ حضرة بهاء الله في آثاره المقدسة على مستلزمات قيام هذا النظام المعتمد رسميا والمصدّق عليه إلهيّا، صمتت كتب الأديان الأخرى إجمالا عن موضوع إدارة شؤونها الروحية وعن الجهة التي لها حق تفسير معاني ما صدر عن مؤسّسي تلك الأديان من بيانات ومقاصد.

وفي ذلك تفضّل حضرة بهاء الله قائلا: ”لقد انتهت حقا دورة النبوّة وأشرق الحق وظهر برايات الاقتدار من مشرق الأمر … “69

فعلى عكس الظهورات السابقة خلق المظهر الإلهي لهذا العصر،”كائنا حيّا“ تقوم على أحكامه ونظمه ”أسس نظام اقتصادي إلهي“ و”أنموذج مجتمع مستقبلي“ و”العامل الوحيد لاتّحاد أهل العالم والإعلان عن مجيء عهد الحق والعدل في الأرض“.70

  • في الوقت الذي كانت الجامعة البهائية تبني أسسها الإدارية لتصبح قادرة على الإسهام إسهاما فعّالا في ميدان الشؤون الإنسانية، كانت تلك القوة المدمرة تفعل فعلها في ضعضعة كيان النظام الاجتماعي وتمزيق نسيجه.

ورغم الرفض العنيد للإقرار بوجود مثل هذه القوة من قِبَل العديد من المفكرين والباحثين الاجتماعيين والسياسيين في السابق، بدأت اليوم المؤتمرات العالمية للسلام والتنمية، وبعد مرور عدة قرون، تقرّ وتعترف بوجودها وتتقصّى أصولها وجذورها.

ولم يعد مستغربا في زماننا هذا أن نسمع في تلك الأوساط العالمية نفسها تلميحات صادقة وصريحة إلى الدور الجوهري للقوى ”الروحية“ و”الأخلاقية“ في حل القضايا والمشكلات بالغة الأهمية.

أما بالنسبة البهائي فإن مثل هذا الإقرار المتأخّر يعيد إلى الذاكرة تلك الأصداء البعيدة للإنذارات التي وجهها حضرة بهاء الله إلى قادة البشر وحكّامهم إذ تفضل قائلا: ”لقد ضعفت قوّة الإيمان وتضعضع كيانه في أقطار العالم ….“76

  • نجد أيضا النظام الإداري البهائي كنظام وليد يظهر بين أنظمة حكم قائمة اليوم على أسس ديمقراطية, ولكن وضح قصور تلك النظم في معالجة الكثير من المشاكل الأجتماعية التي باتت تهدد الأمن والأستقرار.

 مما ادى لبروز سؤال جوهري وحيوي وهام , الا وهو كيف ستدير البشرية شؤونها في حكم يحقق لها الرفاهية والاستقرار والازدهار في المستقبل؟

نظام دولي جديد (11)

فبراير 10, 2010

(11)فمهما كان النظام الدولي الذي تمخضت عنه أحداث القرن العشرين وتجاربه المروعة باعثًا على الرضى، فإن ديمومة تأثيره ستعتمد على ما ينطوي عليه ضمنًا من المبادئ والقواعد الأخلاقية. 

وإذا كان العالم الإنساني جسمًا واحدًا غير قابل للتجزئة، فإن السلطة التي تمارسها هيئاته الحاكمة تمثل في الأساس سلطات الوصيّ المؤتمَن على ما أوكل به.  فالعدل والاتحاد أمران متبادلان في فعليهما،

وقد تفضل حضرة بهاء الله في هذا الصدد يقول: “العدل سراج العباد فلا تُطفئُوهُ بأرياح الظُّلم والاعتساف المخالفة، والمقصود منه ظهور الاتحاد بين العباد”

  • عندما يلتزم المجتمع الإنساني بهذه القواعد وغيرها من المبادئ الخُلقية، رغم ما يبديه من التردد والمخاوف تجاه هذا الالتزام، فإن أفضل الأدوار التي يتيحها للفرد هو دور القيام بخدمة الآخرين.

وفي عصر يكون فيه المجال مفتوحًا أمام الناس بكل فئاتهم، ومهما كانت أحوالهم، للإسهام الفعلي في صياغة شكل النظام الاجتماعي نفسه، يكتسب مبدأ خدمة الآخرين أهمية جديدة. 

إن تمجيد أهداف كحبّ تملّك الأشياء وإثبات وجود الذات، كأنهما غاية من غايات الحياة، يعد إذكاءً للجانب الحيواني في الطبيعة الإنسانية بشكل خاص. 

فلم يعد بمقدور رسالات الخلاص الذاتية بمضمونها السطحي أن تلبي ما تصبو إليه الأجيال التي أدركت بعمق الإيمان أن أي تحقيق للخلاص مسألة تتعلق بهذا العالم مثل تعلقها بالعالم الآخر. 

في هذا الصدد ينصح بهاء الله قائلاً: “أن اهتمّوا بما يحتاجه عصركم، وتداولوا مركّزين أفكاركم في متطلباته ومقتضياته”.(12)

  • وجهات النظر هذه لها نتائج بعيدة الأثر بالنسبة لإدارة شؤون البشر.  فمن الجليّ، على سبيل المثال، أن الدولة ككيان سياسي، رغم ما حققته من إنجازات ماضية، إذا استمرت في سيطرتها في تحديد مستقبل العالم الإنساني والتأثير فيه، فإن تحقيق السلام سوف يتعطل وتتفاقم البلايا وتزداد المعاناة التي سوف تصيب شعوب الأرض. 

أما بالنسبة لحياة العالم الإنساني الاقتصادية، فإنه مهما عظُمت الخيرات التي تأتي بها العولمة، يبقى واضحًا أن مسيرة العولمة قد خلّفت أيضًا مراكز وتجمعات لا مثيل لها لقوى الطغيان والاستبداد يجب إخضاعها لسيطرة الديمقراطية الدولية إذا أُريد لملايين لا تحصى من البشر تجنّب الفقر واليأس. 

وبالمثل، فإن الطفرة التاريخية في تكنولوجيا الإعلام والاتصالات، والتي تشكل وسيلة فعالة في دعم النمو الاجتماعي وتعميق حسّ الجماهير بإنسانيتها المشتركة، قادرة أيضاً وبالقوّة نفسها على تحريف وتشويه الحوافز الخيّرة وتجريدها من سلامة نواياها، وهي الحوافز الضرورية لخدمة هذا المسار أيضًا. 

(10)كيف يمكن تحقيق النهج البهائي للمفهوم الحضاري المستقبلي وتحديات تحقيقه وعوائقه

فبراير 8, 2010
  • إنّ النهج المستقبلي للمفهوم الحضاري الذي رسمه حضرة بهاء الله في آثاره الكتابية يتحدّى معظم ما يفرضه الزمن الحاضر على عالمنا من الآراء التي تبدو وكأنها دائمة الأثر لا تتغير.  ولكن الطفرة التي حدثت خلال قرن النور قد فتحت الباب أمام قيام عالم من نوع جديد. 

وإذا كان الوعي الإنساني في طبيعته روحيّ الأساس – وهو الأمر الذي أدركته دائماً بالبداهة الأغلبية الساحقة من البشر العاديين – فإن مستلزمات نموّ هذا الوعي وتطوره لا يمكن فهمها أو معالجتها عن طريق تفسير للحقيقة يخالف، الرأي القائل بأن حقيقة الوجود في الأساس روحانية في طبيعتها. 

  • إن مبدأ الفردية، أو تمجيد الذات، الذي انتشر في معظم أنحاء العالم هو أكثر جوانب الحضارة المعاصرة عُرضةً للتحدي من قِبل ما جاء به حضرة بهاء الله من مفهوم حضاري للمستقبل. 

فقد أدى شعار “السعي من أجل السعادة” الذي غذّته إلى حد كبير القوى الثقافية – من أمثال النُّخبة الأكاديمية والاقتصاد الاستهلاكي – أدى إلى خلق شعور تنافسي عدواني تجاه الآخرين، وبعث إحساسًا لا حدود له بسيادة الحق الشخصي. 

  • وكانت النتيجة المعنوية المترتّبة على ذلك ضارة بالنسبة للفرد والمجتمع على حد سواء، ومدمرة من حيث تفشّي الأمراض والإدمان على المخدّرات وغيرها من الآفات التي باتت مألوفة في نهاية القرن. 

إن مهمة تحرير الإنسانية من خطأ جوهري وشامل تدعونا إلى التساؤل حول بعض فرضيّات القرن العشرين المتأصلة بالنسبة لما هو حق وما هو باطل. 

  • فما هي إذًا بعض هذه الفرضيات التي تحتاج إلى الشرح والتحليل؟ لعل أبرزها الاقتناع القائل بأن الوحدة والاتحاد غاية مثالية بعيدة المنال، وربما مستحيلة، إلا بعد حل عدد كبير من النزاعات السياسية، وبعد تلبية الاحتياجات المادية وتصحيح الإجحافات والمظالم بشكل أو بآخر. 

إلا أن حضرة بهاء الله يؤكد أن القضية نقيض ذلك؛ فهو يقول بأن الآفة الرئيسية التي تصيب المجتمع وتخلق العلل التي تشلّه هي انقسام الجنس البشري وانعدام وحدته رغم تميزه بالقدرة على التكاتف والتعاون. 

فقد اعتمد تقدم الجنس البشري حتى اليوم على مدى ما تحقق من وحدة العمل والتعاون في أزمان مختلفة ومجتمعات متعددة. 

إن التشبث بالاعتقاد القائل بأن الصراع ظاهرة متأصلة في الطبيعة الإنسانية، وليس حصيلة مجموعة معقدة من السلوك والعادات المكتسبة، من شأنه أن يفرض على القرن الجديد خطأ كان في الماضي أكثر العوامل المنفردة مسؤوليّة في إعاقة الجنس البشري إعاقة خطيرة. 

هناك تحدّ معنويّ ثان يرتبط ارتباطًا وثيقًا بقضية الوحدة.  فيؤكد لنا بهاء الله بأن العدل والإنصاف أحب الأشياء عند الله.(10)  فالإنصاف يمكّن الفرد من رؤية الحقيقة بعينه هو لا بعيون الآخرين، ويضفي على عملية اتخاذ القرارات الجماعية السلطة التي وحدها تضمن وحدة الفكر والعمل. 

(9) من اللافت للانتباه هو المظاهر الايجابية للعالمية في التفكير

فبراير 6, 2010
  • “لأول مرة في تاريخ البشرية يتم تصوّر نظام الأمن الجماعي وبحثه وتجربته بداية من عصبة الأمم، ذلك النظام الذي أعلنه حضرة بهاء الله. 

ولأول مرة في التاريخ، يتم الاعتراف به رسمياً ويُعلن للعموم أن تأسيس نظام أمن جماعي كهذا بأسلوب فعال.

وللمرة الأولى في تاريخ البشرية تبذل شعوب العالم جهوداً مبدئية للاضطلاع بالمسؤولية الجماعية،

ولأول مرة في التاريخ أيضاً يظهر تحرّك في الرأي العام لدعم القرار الذي تعلنه قادة الأمم وممثلوها، ولضمان العمل الجماعي في متابعة قرار كهذا.

  • تزايد الاتجاه لدى مجموعات الأمم نحو إقامة علاقات تمكّنها من التعاون فيما بينها في القضايا ذات المصالح المشتركة. 

  • وايضا حقوق أهل العالم وشعوبه.

  • والحياة الاقتصادية. 

  • وتسارع انتشار التعليم بين الجماهير. 

  • لقد طرأ تحول جذري في الكيفية التي بدأ الناس فيها ينظر بعضهم بعضًا. فعلى سبيل المثال، اعتقد الناس عبر التاريخ، وأيدتهم في ذلك التعاليم الدينية، بأن المرأة أساسًا في طبيعتها أدنى مرتبة من الرجل.  إلا أنه بين عشية وضحاها انقلب فجأة هذا المفهوم السائد تاريخيًا وأخذ في التراجع في كل مكان. 

  • ولعل ما يتميز باهمية خاصة، قيام “برلمان الأديان” الذي استقطب الاهتمام الكبير حينما كان القرن التاسع عشر يقترب من نهايته، بشّر بإقامة الحوار والتعاون بين المذاهب والأديان

فقد صرّح بهاء الله في هذا الصدد قائلاً: “لا شك في أن الأديان جميعها متوجهة إلى الأُفق الأعلى وأنها كلّها عاملة بما يأمر به الحق جلّ جلاله”.(6)

  • في الواقع لا يتبدّى ما حققت ثورة القرن العشرين من مظاهر الوحدة والتوحيد أكثر مما يتبدّى في النتائج الناجمة عن التغييرات التي طرأت على الحياة العلمية التكنولوجية. 

فنجد الجنس البشري اليوم يمتلك الوسائل الكفيلة بتحقيق أهداف تلك الرؤيا التي أملاها عليه النضج المستمر في الوعي والمدارك. 

و نجد أن هذه المقدرة كامنة متوفرة لكل سكان الأرض دون اعتبار للعِرق أو التراث أو الوطن. 

فقد اوضح حضرة بهاء الله متنبّئًا: “إن أهل العالم في هذا العصر تحركهم حياة جديدة، ولا يعرف أحد سببًا أو علّة لذلك”.(7)

واليوم، وقد مضى على هذه الكلمات قرن ونيّف، فإنّ ما ترتب على ما قد حدث من آثار ونتائج، بدأ يتضح لأصحاب العقول المفكرة أينما كانوا.

(7) فكيف يكون هذا القرن العشرين بداية لعملية وحدة العالم الانساني

فبراير 4, 2010
  • إن الباعث الرئيسي لرسالة حضرة بهاء الله هو شرحٌ لحقيقة الوجود على أنها في الأساس روحانية في طبيعتها، وشرح القوانين التي تحكم فعل الحقيقة ونفوذها. 

فرسالة حضرة بهاء الله لا تعتبر الفرد مجرد كائن روحي و”نفس ناطقة” فحسب، بل تؤكّد على أن ذلك التفاعل، الذي نسميه حضارة،

يمثّل في حد ذاته مسارًا روحيًّا يتكاتف فيه العقل والضمير الإنساني على مرّ الزمان لخلق الوسيلة الأكثر كفاءة وتعقيدًا للتعبير عما يجيش في القلب ويساور العقل من القدرات الروحية والفكرية الدّفينة في الإنسان. 

  • ويؤكد حضرة بهاء الله حين يرفض المبادئ الماديّة السائدة بأنه جاء بتفسير يخالف المفهوم الدارج لمسار التاريخ.

  فالإنسانية، وهي رائدة تطوّر الوعي البشري، تمر بمراحل الطفولة ثم الحداثة فالبلوغ في حياة أفرادها، ولقد وصلنا الآن في رحلتنا عبر هذه المراحل إلى عتبة مرحلة النضج التي طال انتظارها لتصبح جنسًا بشريًا موحدًا.

 فالحروب ومظاهر الاستغلال والتعصّبات التي سادت مراحل عدم النضوج في المسيرة الحضارية ينبغي ألاّ تكون مدعاة لليأس، وإنما يجب أن تكون حافزًا للاضطلاع بالمسؤوليات التي يفرضها علينا نضجنا الجماعي. 

  • أعلن حضرة بهاء الله في رسائله إلى معاصريه من القادة السياسيين والدينيين أن قُدرات لا حصر لقواها قد بدأت تنبعث لدى شعوب الأرض؛ وهي القدرات التي لا يمكن لأهل عصره تخيُّلها والتي سوف تحوّل الحياة المادية على هذا الكوكب وتغيّرها. 

ولذا كان من الضروري، حسب بيانات حضرة بهاء الله، استخدام هذا التقدم المادي والمرتقب لإحداث تطور خُلقي واجتماعي. 

ولكنه إذا ما حالت الصراعات الإقليمية والطائفية دون ذلك فإن التقدم المادي لن يقتصر على تحقيق المنافع فقط بل سوف يؤدي إلى عواقب وخيمة وشرور عظيمة لا يمكن التكهن بها.

 فبعض ما حذّر منه حضرة بهاء الله وأنذر به تتردد أصداؤه المروّعة في عصرنا هذا إذ يقول: “إن في الأرض أسبابًا عجيبة غريبة، ولكنها مستورة عن الأفئدة والعقول.  وتلك الأسباب قادرة على تبديل هواء الأرض كلها وسُمِّيَّتها سبب للهلاك”.(2)


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.