(5) أن تعبد الإنسانية أصناما من صنع يديها ظاهرة لها أهمية خاصة من وجهة النظر البهائية، ليس بسبب الأحداث التاريخية المرتبطة بالقوى التي تولّدت عن ذلك مهما كانت مفزعة ورهيبة، وإنما بسبب الدروس المفيدة التي لقّنتها.
فإذا عدنا بالأنظار إلى العالم آنذاك وهذه القوى الشيطانية تتجمّع في أفق فجره مهدّدة مصير البشرية، يجدر بنا أن نتساءل:
أي عطب أو وهن هذا الذي أصاب الطبيعة الإنسانية حتى أضحت عاجزة عن مقاومة مثل هذه التيارات المنذرة بالشّر؟
فكيف يمكن لأحد أن يتوسّم في شخص بنيتو موسوليني ملامح ”رجل المصير،“ أو أن يشعر أحد بأن عليه واجباً أدبياً بأن يتفهّم نظريات أدولف هتلر عن الأعراق والأجناس دون أن يراها على حقيقتها بأنها ترّهات عقل مريض؟
وأخيرا كيف يمكن أن يدور بخلد أحد من الناس جدّية ما ذهب إليه جوزيف ستالين من إعادة تفسير الخبرة الإنسانية كلها عبر العقائد المذهبية التي صاغها والتي خلقت الفكر الشيوعي؟
إن مثل هذا التخلّي الإرادي المتعمّد عن الصواب والعقلانية من جانب طائفة لا يستهان بها من قادة الفكر في المجتمع يطالبنا بتفسير مبرَّر تقتنع به الأجيال القادمة.
فإذا تم ذلك وتمكّنا من إجراء تقويم نزيه موضوعي فلا بد لنا، عاجلا أم آجلا، أن نركّز اهتمامنا على الحقيقة التي تُمثّل في الكتب المقدّسة للأديان السماوية التي عرفها البشر، خيطا واحدا يسري في نسيجها جميعا. وهي حقيقة نبل الانسان وتميزه ووالوسائل العملية لاظهار هذا النبل والتميز
فقد تفضّل حضرة بهاء الله في هذا الصدد قائلا:
فبعد أن خلق الله كلّ الممكنات وبعَث الموجودات وتجلّى باسمه المختار، خصّ الإنسان من بين المخلوقات جميعها لمعرفته ومحبّته، فكان أن خلق الكائنات كلّها لأجل هذه الغاية…
وتجلّى في كينونة الأشياء جميعها باسمٍ من أسمائه وصفة من صفاته، ولكنه جعل الإنسان مظهر كل أسمائه وصفاته ليكون مرآة لذاته مختصّا إيّاه بعظيم فضله وقديم رحمته.
ولكنّ تجلّيات أنوار صبح الهداية وإشراقات شمس العناية مستورة في حقيقة الإنسان كشعلة النور مستورة في حقيقة الشمع والسراج. وقد يختفي إشعاع الشمس المشرقة فلا تنعكس نورا في المرايا التي كساها غبار الشؤون الدنيوية ولا في المجالي التي علاها الصّدأ.
فمن الواضح إذاً أنّ هناك حاجة لمن يشعل هذا السراج ومَن يصقل صفحة هذه المرايا والمجالي، فبدون النار لن يُشعَل السراج، وإن لم تُصقل المرآة صافية من الغبار فلن ينعكس فيها إشراق الشمس ونورها.81
الأوسمة: المدينة الفاضلة, الشيخ محمد رفعت