يؤكد حضرة بهاءالله بأنه لو فُتحت أبواب الفضل الإلهي على وجه كل إنسان، لا يناله إلاّ من كان أهلاً وكفوًا وذا قلب طاهر.
يمثّل ذلك بالحبّة التي تنتجٍ أشجارًا مثمرة لو زُرعت بأرض طيّبة، بينما لو كانت الأرض “جُرُزة” (قاحلة) فلن ينبت شيء إلى الوجود.
ويقر بأنه حتى لو “حرمت كل الممكنات أنفسها من بدايع الفضل الإلهي ومنعت أنفسها من تربية سلطان الأحدية فلن يؤثر ذلك شيئًا في استمرار هبوب أرياح الفضل الإلهي”.
يصرّح حضرة بهاء الله بأن القضية الروحية الرئيسية التي تواجه كل الناس، بغضّ النظر عن انتماءاتهم الوطنية أو الدينية أو العرقية، هي وضع أسس مجتمع عالمي تتمثل فيه وحدة الطبيعة الإنسانية.
إذ إن وحدة سكان المعمورة واتفاقهم ليس رؤية إصلاحية مثاليّة مبعثها الخيال، ولا هي في محصلتها النهائية خاضعة للخيار، بل تجسيد للمرحلة الحتميّة القادمة في سياق التطور الاجتماعي، ستدفعنا إليها مكرهين تجارب الماضي وخبرة الحاضر بأسرها.
وما لم يتم الاعتراف بهذه القضية كحقيقة واقعة والعمل على معالجتها، فلن تتوفر الحلول الناجعة لإزالة الشرور والعلل التي ابتُلي بها كوكبنا، لأن تحدّيات عصرنا الذي ولجناه كلّها في الأساس عالمية النطاق تتسم بالشمول لا الخصوصية، ولا تتعلق بإقليم دون الآخر.
· لقد أدّت مغبّة افتتان الإنسانية بالعقائد المذهبية التي صنعها عقلها إلى تَسارُع مسيرة قوى الدمار والانحلال بصورة مفزعة فباتت تمزّق نسيج الحياة الاجتماعية وتُنبِتُ أحطّ بواعث الطبيعة الإنسانية.
فالقسوة الوحشية التي خلقتها الحرب العالمية الأولى أضحت الآن تنتشر انتشارا عمّ كل مكان وصارت إحدى معالم الحياة الاجتماعية في كل بقعة من بقاع الأرض.
(5) أن تعبد الإنسانية أصناما من صنع يديها ظاهرة لها أهمية خاصة من وجهة النظر البهائية، ليس بسبب الأحداث التاريخية المرتبطة بالقوى التي تولّدت عن ذلك مهما كانت مفزعة ورهيبة، وإنما بسبب الدروس المفيدة التي لقّنتها.
فإذا عدنا بالأنظار إلى العالم آنذاك وهذه القوى الشيطانية تتجمّع في أفق فجره مهدّدة مصير البشرية، يجدر بنا أن نتساءل:
أي عطب أو وهن هذا الذي أصاب الطبيعة الإنسانية حتى أضحت عاجزة عن مقاومة مثل هذه التيارات المنذرة بالشّر؟
فكيف يمكن لأحد أن يتوسّم في شخص بنيتو موسوليني ملامح ”رجل المصير،“ أو أن يشعر أحد بأن عليه واجباً أدبياً بأن يتفهّم نظريات أدولف هتلر عن الأعراق والأجناس دون أن يراها على حقيقتها بأنها ترّهات عقل مريض؟
وأخيرا كيف يمكن أن يدور بخلد أحد من الناس جدّية ما ذهب إليه جوزيف ستالين من إعادة تفسير الخبرة الإنسانية كلها عبر العقائد المذهبية التي صاغها والتي خلقت الفكر الشيوعي؟
إن مثل هذا التخلّي الإرادي المتعمّد عن الصواب والعقلانية من جانب طائفة لا يستهان بها من قادة الفكر في المجتمع يطالبنا بتفسير مبرَّر تقتنع به الأجيال القادمة.
فإذا تم ذلك وتمكّنا من إجراء تقويم نزيه موضوعي فلا بد لنا، عاجلا أم آجلا، أن نركّز اهتمامنا على الحقيقة التي تُمثّل في الكتب المقدّسة للأديان السماوية التي عرفها البشر، خيطا واحدا يسري في نسيجها جميعا. وهي حقيقة نبل الانسان وتميزه ووالوسائل العملية لاظهار هذا النبل والتميز
فقد تفضّل حضرة بهاء الله في هذا الصدد قائلا:
فبعد أن خلق الله كلّ الممكنات وبعَث الموجودات وتجلّى باسمه المختار، خصّ الإنسان من بين المخلوقات جميعها لمعرفته ومحبّته، فكان أن خلق الكائنات كلّها لأجل هذه الغاية…
وتجلّى في كينونة الأشياء جميعها باسمٍ من أسمائه وصفة من صفاته، ولكنه جعل الإنسان مظهر كل أسمائه وصفاته ليكون مرآة لذاته مختصّا إيّاه بعظيم فضله وقديم رحمته.
ولكنّ تجلّيات أنوار صبح الهداية وإشراقات شمس العناية مستورة في حقيقة الإنسان كشعلة النور مستورة في حقيقة الشمع والسراج. وقد يختفي إشعاع الشمس المشرقة فلا تنعكس نورا في المرايا التي كساها غبار الشؤون الدنيوية ولا في المجالي التي علاها الصّدأ.
فمن الواضح إذاً أنّ هناك حاجة لمن يشعل هذا السراج ومَن يصقل صفحة هذه المرايا والمجالي، فبدون النار لن يُشعَل السراج، وإن لم تُصقل المرآة صافية من الغبار فلن ينعكس فيها إشراق الشمس ونورها.81
فقد برزت مدارس عقائدية ثلاث إلى الوجود في غضون القرن العشرين لتسيطر سيطرة كاملة على شؤون العالم الإنساني. وقد اختلفت هذه المدارس في ما بينها اختلافا شديدا في خصائصها الثانوية ولكنها كلها مدانة بأنها ”عقائد باطلة خدّاعة وشرّيرة …
“وإنها سوف تُنزل الدمار والخراب ”بأي إنسان أو شعب يؤمن بها،“ فالحذار الحذار من ”ذلك الثالوث من الآلهة الزائفة التي أقامتها تلك العقائد المذهبية والمتمثّلة في الوطنية المتطرّفة، والتعصّبات العرقية، والشيوعية العالمية.“80
فالحركة الفاشية ولَدت مجموعة من الحركات والنُظُم التي قلدتها وانتشرت في العقود التالية في جميع أنحاء العالم وكأنها سرطان خبيث عمّ واستشرى. وغذت الإيحاء إلى الشعوب التعيسة المغلوبة على أمرها التي تحت سيطرتها بأنها وسلامتها وأمنها القومي عرضة لتهديدات وهمية،
ثم قامت تعظ من يستمع إليها زاعمة أن الحرب ”تشرّف“ الروح الإنسانية وتعزّها. ولايخفي عن أبصار المراقب المعاصر ما خلّفته لعصرنا الراهن هذه الحركات من تركة تتّسم بالحقد والغلّ والخبث.“
وها هي شقيقتها النازية شاركتها تتخذ لنفسها موقفا يمثّل انحرافا إنسانيا بالغ القِدم ولكنه أكثر مكرا ودهاء. فقد استأثر بقلب النازيّة المظلم هاجس مريض سمّاه أنصارها ”نقاوة العرق الآري.“
فقام النازيون بتنفيذ برنامج منظم خاص بالإبادة الجماعية ضد أقوام اعتبرهم النظام النازي أناسا تافهين لا قيمة لهم ولا نفع من وجودهم ويمثّلون خطرا وضررا بالنسبة للمستقبل البشري. وكان هدف ما عقدت النازية العزم عليه في نهاية المطاف أن يحكم العالم من أسموه ”سيّد الأعراق والشعوب“ وفق تصوّرهم.
وكانت سياسة التمييز العنصري هذه هي التي عجّلت أساسا في قيام ذلك الصراع الرهيب بين الأمم. فخلّفت النازية لعصرنا الراهن رواسبها المؤذية التي بدأت تستخدمها عناصر في المجتمع المعاصر تشعر بأنها مهمشه،
فبالإضافة إلى انحطاط معنوياتها نتيجة الانحلال الاجتماعي والاقتصادي المحيط بها ويأسها من وجود أي حل منتظر. فهبّت هذه العناصر تنفّس عن فورتها الغاضبة إزاء عجزها وتصبّ جام غضبها على تلك الأقليات الموجودة في مجتمعاتها محمّلة تلك الأقليات عبء ما تشعر به هذه العناصر من فشل وخيبة أمل.
أما أحد آلهة هذا العصر فقد كان ذلك الإله الزائف ,الشيوعية العالمية, التي نصّبت نفسها إلها كاذبا وكشفت عن معدنها منذ البداية حين قضت بقسوة ووحشية على أول حكومة ديمقراطية عرفتها روسيا.
ونجح النظام الذي أسسه فلاديمير لينين في إظهار نفسه للعديد من البشر ولمدة سنوات طويلة، على أنه يبغي خير البشرية وأنه نصير العدالة الاجتماعية. وكم هي مزاعم وادّعاءات لا تدعو إلا إلى السخرية والاستغراب. فالوثائق التاريخية تثبت الآن بالأدلّة القاطعة مدى ما ارتكبه النظام الشيوعي من جرائم بشعة وتصرّفات حمقاء بلغت في مداها ما لم يكن له مثيل على مدى الستة آلاف سنة للتاريخ المدوّن.
وإلى حد لم يسبق أن تصوره أحد قام لينين بتنفيذ مؤامرة ضد الفطرة الإنسانية للقضاء بأسلوب منتظم على الإيمان بالله قضاء مبرما. وما جلبه بصورة حتمية هذا التهجّم العنيف المتعمّد ضد الفطرة الإنسانية من دمار سياسي واقتصادي أصاب المجتمعات التي أدى سوء طالعها إلى أن تقع في مدار نفوذ هذا الفكر.
تكتسح وجه البسيطة اليوم عاصفة هوجاء، عديمة المثال في عنفوانها، ولا يمكن التكهّن بمسارها، جالبةً الكوارث والنّكبات في آثارها المباشرة، بينما تبشّر نهايتها بنتائج باهرة لا يمكن تصوّر عظمتها. فهاهي الإنسانية وقد أصابها الذّهول والارتباك، وألمّ بها عذاب أليم، ولفّها اليأس والقنوط،
ترقب هبوب هذه الريح الصرصر العاتية التي بعث بها الله لتخترق ربوع الأرض أطيبها وأبعدها، مزلزلة أسسها، مقلّبة نظمها، مشتّتة أممها، مخرّبة ديار شعوبها، مدمّرة مدنها، مشرّدة ملوكها إلى ديار الغُربة والنّفي، مقوّضة حصونها، مقتلعة جذور أنظمتها، مطفئة نورها، ملوّعة نفوس أهلها.”
في قلب الأزمة العالمية التي ابتليت بها الأنسانية ينتشر هناك نقص في القيادة الاخلاقية في جميع قطاعات المجتمع الأنساني.
أن مسؤولية هذه المأساة التي تُعدّ أعظم المآسي شأنا يتحمّلها في المرتبة الأولى زعماء الدين وقادته في العالم. أولئك الذين اتّخذوا من أنفسهم أربابا من دون الله، وغرروا بالسذّج من الناس ليفرضوا عليهم مزيجا مشوّشا من العقائد والتعصّبات التي شكّلت أكبر عائق منفرد وجدت الإنسانية نفسها مجبرة على مكافحته في سبيل تقدّمها ورقيّها.
ورغم المآثر والخدمات الإنسانية التي بذلها عدد لا يحصى من الأولياء والقدّيسين بصفتهم الفردية، فإنه لا يمكن تحاشي الإشارة إلى الآثار السلبية الناجمة عن الطريقة التي تدخّل بها أولئك الذين اعتبروا أنفسهم الصفوة الدينية
فصدّوا الإنسانية وأصمّوا آذانها عن سماع نداءات التقدّم والتطوّر، ولم يستثنوا من ذلك دعوات رسل الله وأنبيائه.
وتفضّل حضرة بهاء الله في هذا الصدد قائلا: “فالآن أي ضيق وشدّة أشد من هذه المراتب المذكورة، فإنه إذا أراد شخص أن يطلب حقا، أو يلتمس معرفة، فلا يدري إلى من يذهب ….“77
إن الإحاطة بهذا لا تقلّل من الضرر الذي جاء به أولئك الذين سعوا لاستغلال الفراغ الروحي القائم آنذاك تنفيذا لمآربهم الخاصة.
فالإيمان جذوة شوق في قلب الإنسان مستعرة لا سبيل لإخمادها، وهو فطرة إنسانية. فإذا مُنع هذا الإيمان أو ضُلّل تتحرّك النفس العاقلة لتبحث عن منارة جديدة تهتدي بها مهما كان نورها باهتا وغير كاف لإضاءة الطريق أمامها،
فإنها تبعا لذلك تستجمع خبراتها وقواها وتسترد شجاعتها لتنظيم مجهوداتها ولتجازف من جديد في مواجهة مخاطر الحياة التي لا مفرّ منها. لذا ينبغي لمن يريدون الصلاح للعالم أن يحاولوا تفهّم المأساة الروحية التي أحاطت بالبشر إبّان العقود الفاصلة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية.
انتهزت العقائد المذهبية الطاغية الظروف التي خلقها انحسار النشاطات الدينية فانتشرت انتشار الأوبئة. ورغم أن هذه العقائد المذهبية تشابهت في ما بينها ولم تختلف في ما حقّقته ومثّلته من إفساد للحياة الروحية والدينية لدى الناس،
<a href="“>
ونحن في انتظار محاكمة عادلة من قبل السلطات الايرانية بحق البهائيين المظلومين الموجودين داخل غياهب السجون بمنتهى الظلم والقسوة فاننا نرفع اكف التضرع والتبتل الى خالق السموات ليرفع الظلم عن المكروبين والمظلومين في كل ارجاء الارض
ها قد انتهى القرن العشرون بعد أن كان أكثر القرون اضطراباً في تاريخ الجنس البشري، وباتت الأغلبيّة السّاحقة من أهل العالم، وقد روّعتها الفوضى الاجتماعيّة والأخلاقية التي دمغت مسيرة ذلك القرن، باتت حريصة على دفن ذكرى المعاناة التي جلبتها عقوده المتتالية.
ومهما بدت الثقة في المستقبل هشّة واهنة الأساس، ومهما تعاظمت الأخطار التي تلوح في الأُفق، فإنّ الإنسانيّة تحاول جاهدة أن تتمسّك بالاعتقاد أنّه يمكن، عبر مصادفة تترابط فيها الظّروف، إخضاع أحوال الحياة البشريّة لتتوافق مع الرّغبات الإنسانيّة الرّاهنة.
إلاّ أنه لا يبدو مثل هذا الأمل مجرّد وهم سرابيّ فحسب، بل تجاهلا كاملا لمعنى وطبيعة المنعطَف الخطير الذي مرّت به الإنسانية عبر السنوات المائة من تلك الفترة الحاسمة.
ولن تستطيع الإنسانية مواجهة تحدّيات المستقبل إلاّ إذا أدركت كُنه الأحداث التي وقعت في هذه الحِقبة من التاريخ. ولعلّ هذا يتطلّب منا إدراك أهمّية هذا التحوّل التاريخي في القرن العشرين وتفهّم معناه.
إنّ النّور الذي شعّ من ظهور حضرة بهاء الله، والأثر الذي تركه هذا الظهور في ميـدان الشـؤون الإنسانية، هما القادران على أن يخلقا لدينا تلك البصيرة النافذة الباعثة على الإدراك.
فلنسلّم بادئ الأمر بصحّة القول إنّ الجنس البشريّ قد ألحق بنفسه دمارا هائلا إبّان هذه الفترة التاريخية التي نستعرضها الآن. فالأرواح التي أُزهقت لا يمكن أن تحصى أو تُعد. ونورد هنا فقط ما يبدو أمثلة صارخة في سلسلة الفظائع التي لم تعرفها حتى أحلك العصور الغابرة ظلاما ومنها:
انهيار المؤسسات الأساسيّة للنظام الاجتماعي، وانتهاك حرمة قواعد اللياقة والأدب والتخلّي عنها فعلا ثم اختراع أسلحة الدّمار الشامل المرعبة وانتشارها، إضافة إلى الفقر المدقع الذي أصاب جماهير غفيرة من عامة البشر، وأخيرا الدّمار الاعتباطي الأرعن الذي لحق ببيئة الكرة الأرضيّة.
القرن العشرون أكثر القرون اضطراباً في تاريخ الجنس البشري مااسبابه ومداه وكيفية علاجه(1)
في سلسلة متعاقبة من 13 مقطع سنعرف ما حدث من الام ومصاعب في القرن العشرين
“فلنتوجّه بالدعاء إلى الله في هذه الأيام التي تجتاح فيها العالم موجة من الغمّ والاكتئاب، هذه الأيام التي انطلقت فيها قُوى غاشمة واندلعت فيها الفوضى والاضطراب والرّجعية لتهدّد سلامة المجتمع البشري واستقراره، هذه الأيام التي تتعرّض فيها أينع ثمار الحضارة الإنسانية لأقسى التجارب والامتحانات التي لا مثيل لها”
الى الباحث عن الحقيقة بإنصاف – إلى من فتح عقله ليلج نور الحقيقة فؤاده – إلى من يرى ببصره وبصيرته – الى القارئ والمستمع بعقله وقلبه – الى من يريدون الصلاح لهذا العالم
اتقدم بهذا البحث عن
المأساة الروحية التي أحاطت بالبشر خلال عقود من الزمان خلال القرن العشرون
هذه المأساة من اضطراب وفوضى ورجعية التي تُعدّ أعظم المآسي شأنا ومن الذي يتحمّلها في المرتبة الاولى ومن الذي استغلها واعاق تقدم البشرية
لماذا يكون الحل المؤكد نجاعته وتحقيقة لحلم البشرية في السلام, الهي المصدر وبهائي الصيغة
كيف يصف البهائيون القرن العشرون بقرن الأنوار وكيف يكون بداية لتحقق حلم السلام للبشرية